علي بن يوسف القفطي

360

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وكان عبيد اللَّه بن سليمان الوزير قد وجه إلى ثعلب في الاختلاف إلى ولده القاسم ، فأبى عليه فقال : تنفذ إليّ بعض أصحابك ( 1 ) ، فوجّه إليه بهارون الضرير ، فاستحضر عبيد اللَّه بن سليمان ، الزّجاج وقال له : أريد أن أصطفى أفضلكما في العلم ، فتساءلا . فقال الزجاج لهارون : كيف تقول : ضربت زيدا ضربا ؟ فقال له : ضربت زيدا ضربا ، فقال له : كيف تكنى عن زيد [ وعن ( 2 ) ] الضرب ! فأفحمه ولم يجبه . وصار في يده ، وانقطع انقطاعا قبيحا ، فوجد عبيد اللَّه بغيته ، ونال محبته في ثعلب - وكان عاتبا عليه في شئ بلغه عنه - وصرف هارون ، واحتبس الزجاج مكايدة لثعلب حتى بلَّغه أفضل مبالغ النحويين . وجواب هذه المسألة : « ضربته إياه » ، وهذا من أوّل النحو ؛ وما كان هارون ليذهب عليه ذلك ؛ ولكن إذا أراد اللَّه أمرا فلا مردّ له . وحضر ( 3 ) هارون الضرير هذا يوما في أيام الجمعة في الجامع الغربيّ بمدينة السلام ، فأتاه ضرير بصريّ ، فسأله عن مسألة فأجاب عنها على مذهب الكوفيين ، فقال له البصريّ : أخطأت ، فضربه بعكَّازه فأدماه ؛ فاستغاث البصريّ بالسلطان ، فأتى شرطيّ فقبض عليه ؛ وصار به إلى مجلس المجاشعيّ صاحب الشرطة - وكان قد استخلف على الشرطة رجلان من العجم - فقال له : ما تقول ؟ فقال : كنت [ جالسا ( 4 ) ] أفتى الناس في علوم القراءات والنحو واللغة ؛ فأتاني ضرير سيّئ الأدب ، وسألني عن مسألة ، فأجبته عنها ، فتجهّم لي الجواب بالتخطئة ، فأدّبته مجازاة له على سوء فعله ؛ فبينما أنا على حالي إذ أتاني آت فقال : السلطان يدعوك ؛ فقال له العجميّ : وأنت يا بن الزانية ضربتني مرة ! ودعا له بالدّرة فضربه بها ثلاثين ، وحبسه . فلما وقف المجاشعيّ على خبره أطلقه ، وأنكر على العجميّ ما كان فيه .

--> ( 1 ) الخبر في طبقات الزبيديّ . ( 2 ) من طبقات الزبيديّ . ( 3 ) الخبر أيضا في طبقات الزبيديّ . ( 4 ) من طبقات الزبيديّ .