علي بن يوسف القفطي
334
إنباه الرواة على أنباه النحاة
القادمين مع الغزّ ، وكان أبو المحاسن ممّن صرف عن عمله ، ودخل إلى مصر ، وتصدر بها لإقراء الأدب ، وانتفع به جماعة من أولاد رؤسائها ، وتأدّب به ناس كثير في المدة القريبة ، وعمل أبياتا حصر فيها العوامل حصرا جميلا . سألت عنه ولده المدعوّ بالمجد على باب قنّسرين بحلب فقال : مات شابا ، وكان عمره يوم موته اثنتين وأربعين سنة ؛ وكان سبب موته أنه قصد عبد الرحيم ابن علي المدعو بالفاضل وزير الدولة الغزّية ، وأعطاه قصّة يطلب فيها رزقا ، فوعده ذلك ، ثم إنه استدعاه بعد أيام ، فظنّ أن حاجته قد قضيت ، فلما حضر عنده قال : خذ هذه الكلمات من التّذكرة لأبى عليّ واحتل لي في إتمامها ، ولم يذكر له شيئا من أمر رزقه ، فأخذ المجلَّدات ، وخرج عنه مغضبا حنقا على الزمان . قال لي المجد ولده : وقد كنّا عند توجّهه إليه ننتظر عوده بما يسره من أمر رزقه ، قال : فلما عاد سألناه عن أمره ، فألقى المجلدات من كمّه ، فقال : لهذه طلبت ؛ ورفع وجهه ويديه إلى السماء وقال : اللهم عجّل الموت ، فقد كرهت الحياة - وكان صائما - ثم إنه أفطر ونام ، ولا شك أنه وطئ في تلك الليلة أهله ، وأصبح إلى الحمام ، وعاد إلى المنزل ، وقد تغيّر مزاجه فمات ، وذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة . ذكره محمد بن محمد بن حامد ، فقال فيه : « هو من أهل المعرفة ، والبدائع المستطرفة ، والوشائع المفوّقة ، كان قاضيا بالبهنسا ، حاظيا بالأنسة ، وصرف في الدولة الصلاحية الملكية الناصرية ، وله في معنى صرفه بيتان أنشدنيهما المذكور سيدنا الأجل الفاضل وهما : صرفت أنى صرفت من علل * تسع وأنى أعرب الحرفا فليت لي خصلتين : معرفة * وعجمة تمنعانى الصّرفا وذلك إلى تولية صدر الدين العجم ، لمعرفته لهم » .