علي بن يوسف القفطي
269
إنباه الرواة على أنباه النحاة
الأمّه ، وقد ألقت العلوم إليه أطراف الأزمّه ؛ واتفقت على إطرائه الألسنة ، وتشرفت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة ؛ ولم يتمكن في دهره واحد من جلاء رذائل النظم والنثر ، وصقال صوارم الأدب والشعر ؛ إلا بالاهتداء بنجم فضله ، والاقتداح بزند عقله ؛ ومن طار بقوادم الإنصاف وخوافيه ، علم أن جواهر الكلام في زماننا هذا من نثار فيه ؛ وقد ساعده التوفيق والإقبال ، وساعفه من الزمان الماضي والحال ؛ حتى اختار لمقامه أشرف الأماكن ، وجمع بجوار بيت اللَّه الحرام بين الفضائل والمحاسن ؛ وودّع أفراس الأمور الدنياويّة ورواحلها ، وعاين من بحار الخيرات والبركات سواحلها ؛ وقد صغر في عيون أفاضل عهده ما رأوه ورووه ، وملك في قلوب البلغاء جميع ما رعوه ووعوه ؛ وإن كان عدد أبياته التي ذكرتها قليلا ، فكماله صار عليها دليلا . وأنشدني أفضل الدين أميرك الزبيانيّ له من قصيدة فيها : يفوح كفوح المسك فاغم نشرها * إذا التحبت فيها ذلاذل ريح ( 1 ) يقول لها الطشّ السماويّ والصبا * مقيما على تلك الصبابة فوجى ؟ ؟ ؟ ( 2 ) مضاجع سعدان مغارس حنوة * مناجم قيصوم منابت شيح ( 3 ) إذا ملَّح المكَّاء رجع صفيره * يجاوبه قمريّها بمليح كأنّ بديحا والغريض تطارحا * على وتر للموصليّ فصيح ( 4 )
--> ( 1 ) النشر : الرائحة الطيبة . والتحبت : مرت ؛ والذلاذل في الأصل : أطراف القميص . ( 2 ) الطش : المطر الضعيف . ( 3 ) السعدان : نبت ترعاه الإبل ، وهو أطيب مراعيها ، والحنوة : نبات سهليّ . والقيصوم : نبت زهره مرّ . ( 4 ) يديح : مولى عبد اللَّه بن جعفر ؛ وكان يقال له بديح المليح ، وله صنعة يسيرة ، وإنما كان يغنى أغانى غيره . وأخباره في الأغانى ( 14 : 9 - 10 ) . والغريض : لقب ، واسمه عبد الملك ، وأخباره أيضا في الأغانى ( 2 : 124 - 144 ) . والموصليّ ، تقدمت ترجمته للمؤلف في الجزء الأول ص 250 .