علي بن يوسف القفطي
259
إنباه الرواة على أنباه النحاة
غنما له فوق سطح الصّفّة التي هو فيها مدفون ، وقد كثر ما يخرج من أجوافها فوق ذلك الموضع ، فأزلته ونظَّفته ممّا حصل فيه ، وكان قد أقعد قبل موته بمدّة ، ولزم منزله راضيا بما قضى له ، قانعا بما قدّر له من الرزق ، يغشاه الناس لفضله والرواية عنه . قال : وأتانا رجل مغربيّ شرط على نفسه أنه يبرئه مما هو فيه ، وأنه لا يأخذ عليه أجرا إلا بعد برئه . قال : فملت إلى قوله ، وأخذ في معاناته بدهن صنعه ، وكان يمدّ رجليه في يوم وهى متجافية عن الأرض لما بها من اليبس ، ويقيس ما بينها وبين الأرض ، وكانت كلَّما لانت قربت من الأرض ، فيعلم ذلك ، ولم يزل يفعل هذا الفعل إلى أن ظهر فيها الصلاح وأشرف على البرء ، فقال لي يوما : أعط لهذا المغربيّ شيئا يرضيه واصرفه ، فقلت له : لماذا وقد ظهر نجح معاناته ؟ فقال : الأمر كما تقول ؛ ولكني في راحة مما كنت فيه من صحبة هؤلاء القوم والالتزام بأخطارهم ، وقد سكنت روحي إلى الانقطاع والدّعة ؛ وقد كنت بالأمس وأنا معافى أذلّ روحي بالسعي إليهم ، وهأنا اليوم قاعد في منزلي ، فإذا طرأت لهم أمور ضرورية جاؤوا لي بأنفسهم لأخذ رأيي ، وبين هذا وذاك كثير ، وإنما أحدثه هذا الألم ، ولا أرى زواله ولا معاناته ، ولم يبق من العمر إلا القليل ، فدعني أعيش باقيه حرّا سليما من ذلّ وصغار ، فقد أخذت منه أوفر الحظ . قال أخوه : فقبلت قوله ، وصرفت الرجل بإحسان . وكان مولده في أحد الربيعين من سنة أربع وأربعين وخمسمائة بجزيرة ابن عمر ، وتوفى يوم الخميس سلخ ذي الحجة من سنة ست وستمائة بالموصل ، ودفن برباطه - رحمه اللَّه .