علي بن يوسف القفطي
230
إنباه الرواة على أنباه النحاة
بالعربية ، دقيق النظر فيها ، لطيف المسلك في معانيها ؛ غاية في الإبداع والاستنباط ، ولم يكن ظاهره ينبئ عن كثير علم ؛ فإذا نوظر ونوقش لا يصطلى بناره . نظر في كتب الكلام والمنطق والطبّ والتنجيم ؛ وكان يتّكل على حفظه ، ويشتغل بالاستنباط الدقيق المعاني في كل فنّ على حفظه وذهنه . رحل إلى المشرق فلقى أبا جعفر بن النحاس ، فحمل عنه كتاب سيبويه رواية ، وقدم قرطبة فلزم التصدّر لطلب الإفادة لهم في داره بها . وقرئ عليه كتاب سيبويه ، ولم يكن عند الناس علم من العربية ؛ حتّى ورد محمد بن يحيى ؛ فإن الأوائل كانوا يفعلون في الإفادة مع المنصوص وتفهيم الطالب معنى اللفظ وما تحته من المعنى لا غير . ولم يكن له تدقيق نظر ولا استنباط ؛ فلما ورد محمد بن يحيى أخذ في التدقيق والاستنباط والاعتراض والجواب وطرد الفروع إلى الأصول . فاستفاد منه المعلمون طريقه ، واعتمدوا ماسّه من ذلك . وكان مع ذلك ذا وقار وسمت وفضيلة ونزاهة نفس وكرم وصحة نية وسلامة باطن . وكان يقول الشعر فيجيده ، وبرع في استخراج المعمّى ، وبينه وبين الزّبيديّ مفاوضات في ذلك طويلة ظاهر أمرها التكلف ( 1 ) . أدّب أولاد الملوك هناك من بنى أمية . ثم ولى أمر الديوان ( 2 ) والاستيفاء ؛ فلم يزل على ذلك إلى أن مات في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة .
--> ( 1 ) انظر طبقات الزبيدي ص 217 - 220 . ( 2 ) في هامش الأصل 2 : 177 : « إنما ولاه المستنصر الأموي مقابلة الدواوين والنظر فيها - يعنى الكتب التي جمعها ، والمصنفات في سائر العلوم التي لم تجتمع لملك من ملوك الإسلام قبله ولا بعده ، ولا قدر علما ، لا ما ظنه المصنف ، رحمه اللَّه » .