علي بن يوسف القفطي
192
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وسيّر رسولا من الموصل من بيت أتابك ( 1 ) إلى صلاح الدين ، وعاد إليهم ولم يقض ما سيّر فيه ، فتغيروا عليه ، فانتقل عنها إلى صلاح الدين ، فولاه ديوان ميّافارقين ، فلم يسغ له المقام بها مع سنقر الخلاطيّ أحد المماليك ، وقد كان ولى أمرها ، فرحل إلى دمشق وأقام ، وأجرى له بها رزق لم يكن كافيا ، فكان يمشّى حاله - فيما قيل - تمشية ظاهرها التجمل ، وتشعر بالتكلَّف . ووجد بدمشق زيد بن الحسن بن زيد الكنديّ النحويّ ، فكان يذاكره ويحاضره ، وامتدحه بقوله : يا زيد زادك ربّى من مواهبه * نعماء يعجز عن إدراكها الأمل لا غيّر اللَّه حالا قد حباك به * ما دار بين النحاة « الحال » و « البدل » النحو أنت أحقّ العالمين به * أليس باسمك فيه يضرب المثل ! وارتحل إلى مصر في شهور سنة ست وثمانين ، ونزل على قاضيها عبد الملك بن درباس المارانى ( 2 ) الكرديّ ، وأنزله في دار في قبلة الجامع الأزهريّ ، بينها وبين الجامع عرصة درب غير نافذ ؛ ودخل الناس إليه للأخذ ، وكنت فيمن دخل عليه ، فرأيته شيخا دميم الخلقة ، مسنون الوجه ، مسترسل اللحية خفيفها ، أبيض تعلوه صفرة . وحضر من قرأ عليه منبرا في الفرائض من جدولته ، وكان القارئ له عليّ ابن جلال الدولة بن الدوريّ ؛ شاب نشأ يطلب العلم ولم يعمّر ، وأخرج إلينا كتابا في ستة عشر مجلدا لطافا ، فيه غريب الحديث له ، وقد عمل فيه رموز الحروف
--> ( 1 ) أتابك ، أصله « أطابك » ، مركب من لفظين تركيين ، أطا بمعنى أب ، وبك بمعنى أمير ، وكانت الكلمة في عهد السلاجقة تطلق على كبير الأمراء ، وفى أيام المماليك كانت تطلق على مقدّم العساكر . وانظر صبح الأعشى ( 4 : 18 ) ، وهامش السلوك ( 1 : 146 ) . ( 2 ) منسوب إلى ماران ، قبيلة من الأكراد ، قدم الديار المصرية مع السلطان صلاح الدين ، وولاه القضاء بها سنة 566 ، وتوفى سنة 605 . رفع الأصر لابن حجر ، الورقة 171 - 172 .