علي بن يوسف القفطي

172

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وكان مغاليا في حبّ معاوية ، وعنده جزء من فضائله . وكان إذا ورد إليه من يروم الأخذ عنه ألزمه قراءة ذلك الخبر . وكان جماعة يكذّبونه في أكثر رواياته اللغة ويقولون : لو طار طائر لقال أبو عمر : « حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابي . . . » ، ويذكر في معنى ذلك شيئا . فأما رواية الحديث فالمحدّثون يوثّقونه على ذلك . وكان حافظا مكثرا من اللغة أملى جميع ما ينسب من التصانيف من لسانه من غير صحيفة ، وكتبها الرواة عنه ومن غير إملائه . ويقال : إنه أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغة ؛ فلذلك الإكثار نسب إلى الكذب . وكان يسأل عن شئ قد تواطأ الجماعة على وضعه فيجيب عنه ، ثم يترك سنة ويسأل عنه ، فيجيب ذلك الجواب بعينه . فمما جرى له في ذلك أنّ جماعة قصدوه للأخذ عنه ؛ فتذاكروا في طريقهم عند قنطرة هناك ( 1 ) إكثاره وكذبه ، فقال أحدهم : أصحّف له اسم هذه القنطرة وأسأل عنه ؛ فانظروا ماذا يجيب ؟ فلما دخلوا عليه قال له : أيها الشيخ ، ما « الهرطنق ( 2 ) » عند العرب ؟ فقال : كذا وكذا . فضحك الجماعة سرّا وانصرفوا . وبعد شهر تركوا من سأله عنها فقال : ألست سألت عن هذه المسألة من مدّة كذا وكذا ، وأجبت عنها بكذا ! فعجب الجماعة من فطنته وذكره للمسألة والوقت ، وإن لم يتحققوا صحة ما ذكره . وكان أبو الحسن معز الدولة بن بويه ( 3 ) قد قلَّد شرطة بغداذ لغلام له اسمه خواجا ، فبلغ أبا عمر الزاهد الخبر - وكان يملى كتاب الياقوتة » ، فلما جلس للإملاء قال :

--> ( 1 ) في تاريخ بغداد : « قنطرة الصراة » ، والصراة : نهر ببغداد . ( 2 ) في الأصلين : « القنطرة » وهو تصحيف ، وما أثبته عن معجم الأدباء . ( 3 ) هو معز الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه بن فناخسرو ، أحد ملوك دولة بنى بويه ، ملك بغداد نيفا وعشرين سنة ، وتوفى سنة 356 . شذرات الذهب ( 3 : 18 ) ، والنجوم الزاهرة ( 4 : 14 ) .