علي بن يوسف القفطي
157
إنباه الرواة على أنباه النحاة
سنة خمس وخمسين ومائتين ، فدرنا على الحلق يوم الجمعة ، فوقفنا على حلقة فيها رجل يتلهّب ذكاء ، ويجيب عن كلّ ما يسأل عنه من مسائل القرآن والنحو والغريب وأبيات المعاني ، فقلنا : من هذا ؟ فقالوا : أحمد بن يحيى ثعلب ؛ فبينا نحن كذلك إذ ورد شيخ يتوكَّأ على عصا ، فقال لأهل الحلقة : أفرجوا للشيخ ، فأفرجوا له حتى جلس إلى جانبه ، ثم سأله عن مسألة فقال : قال أبو جعفر الرؤاسيّ : فيها كذا ، وقال الكسائيّ : فيها كذا ، وقال هشام : فيها كذا ، وقلت أنا : كذا . فقال له الشيخ : إن ( 1 ) تراني أعتقد في هذه المسألة إلا جوابك ، فالحمد للَّه الذي بلَّغنى هذه المنزلة فيك . فقلنا : من هذا ؟ فقالوا : محمد ( 2 ) بن قادم . وكان مع إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ ؛ قال ثعلب : وكان ابن قادم يشبه الناس في خلقه وعلمه . قال : وجّه إليّ إسحاق يوما فأحضرنى فلم أدر ما السبب ، فلما قربت من مجلسه تلقّانى ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل وهو على غاية الهلع والجزع ، فقال لي بصوت خفيّ : إنه إسحاق ، ومرّ غير متلبّث ولا متوقف حتى رجع إلى مجلس إسحاق ، فراعني ذلك ، فلما مثلت بين يديه قال لي : كيف يقال : « وهذا المال مالا » أو « هذا المال مال » ؟ فعلمت ما أراد ميمون ، فقلت له : الوجه « [ وهذا ( 3 ) ] المال مال » ، ويجوز « وهذا المال مالا » ، فأقبل إسحاق على ميمون بغلظة وفظاظة ، ثم قال : الزم الوجه في كتبك ، ودعنا من يجوز ويجوز . ورمى بكتاب كان في يده ، فسألت عن الخبر فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو
--> ( 1 ) في طبقات الزبيدي : « لن تراني » . ( 2 ) في طبقات الزبيدي : « فقالوا : أستاذه محمد بن قادم » . ( 3 ) من طبقات الزبيدي .