مروان وحيد شعبان
74
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
وفي « التوقيف على مهمات التعريف » : ( الصرف : بالفتح رد الشيء من حالة إلى أخرى ، أو إبداله بغيره وتصريف الرياح : صرفها من حال إلى حال ، ومنه تصريف الكلام والدراهم ، والصريف اللبن إذا سكنت رغوته كأنه صرفت الرغوة عنه ، والصرف بالكسر : صبغ أحمر خالص ، ثم قيل لكل خالص من غيره صرف كأنه صرف عنه ما يشوبه ) « 1 » . الصرفة اصطلاحا : معناها ( أن اللّه صرف العرب عن معارضة القرآن ، وسلب علومهم ، وكان مقدورا لهم ، لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات ) « 2 » . هذا معنى الصرفة ، ولكن منشأ القول بالصرفة ، وما هي ملامح الجوّ الذي صدر عنه هذا الفكر والعوامل التي كوّنت هذا التصور في أدمغة أصحابها ؟ هذا ما أوضحه الإمام محمد أبو زهرة رحمه اللّه إذ يقول : ( إن بعض المتفلسفين من علماء المسلمين اطلعوا على أقوال البراهمة في كتابهم « الفيدا » وهو الذي يشتمل على مجموعة من الأشعار ، ليس في كلام الناس ما يماثلها في زعمهم ويقول جمهور علمائهم : إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها ، لأن براهما صرفهم عن أن يأتوا بمثلها . . . وعندما دخلت الأفكار الهندية في عهد أبي جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس ومن والاه من حكام بني العباس تلقف الذين يحبون كل وافد من الأفكار ، ويركنون إلى الاستغراب في أقوالهم فدفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا ذلك القول « الصرفة » ويطبقوه على القرآن وإن كان لا ينطبق ، فقال قائلهم : إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه ، بل كان لأن اللّه تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله ، وإن رواج تلك الفكرة يؤدّي إلى أمرين أولهما : أن القرآن الكريم ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع محاكاته وتعجز القدرة البشرية عن أن تأتي بمثله ، فالعجز ليس من صفات القرآن الذاتية ، وثانيهما : الحكم بأنه ككلام الناس لا يزيد عليه شيء في بلاغته أو في معانيه ) « 3 » .
--> ( 1 ) التوقيف على مهمات التعاريف ، محمد عبد الرؤوف المناوي ، دمشق - بيروت ، دار الفكر المعاصر ، تحقيق ، محمد رضوان الداية ، الطبعة الأولى ، 1410 ه ، 1 / 454 . ( 2 ) الإتقان ، للسيوطي ، 2 / 314 ، والبرهان ، للزركشي ، 2 / 95 . ( 3 ) المعجزة الكبرى ، محمد أبو زهرة ، ص : 79 ، وانظر : البيان في علوم القرآن ، محمد علي الحسن ، بيروت ، دار الفكر العربي ، الطبعة الأولى ، 1998 ، ص : 39 .