مروان وحيد شعبان

56

الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث

فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، قال : فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قل يا أبا الوليد أسمع » ، قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك ، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له ، حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستمع منه قال : « أقد فرغت يا أبا الوليد » قال : نعم : قال : « فاسمع مني » قال : أفعل ، فقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ « 1 » ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بها يقرؤها عليه فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ، ثم انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : « قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك » ، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم ) « 2 » . هذه القصة توضح لنا بكل جلاء اعتراف سيد من سادات قريش ، أمام صناديد الكفر وصناديد البلاغة والبيان ، بإعجاز القرآن وأثره في النفوس ، ووقعه في القلوب والأفئدة .

--> ( 1 ) سورة فصلت ، الآيات 1 - 5 . ( 2 ) السيرة النبوية ، عبد الملك بن هشام الحميري ، بيروت ، دار الجيل ، تحقيق ، طه سعد ، الطبعة الأولى ، 1411 ه ، 1 / 130 - 132 وأورده كذلك ابن كثير في تفسيره ، 4 / 90 - 92 .