مروان وحيد شعبان

47

الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث

وتنازل معهم في المحاورة إلى مجال يتوهمون إحراز قصب السبق فيه ولم يطالبهم بشيء من حقائق الكون والتاريخ ، ومن قصص الأنبياء الغابرين وشأن الألوهية وكمالاتها وأمهات الأخلاق ومقومات الحضارات ورقيّ المجتمعات ، وإنما عليهم أن يأتوا بمثل عشر سور من سور القرآن ، وليفتروا موضوعاتها كما يشاءون على أن تكون في فصاحة القرآن وبلاغته ) « 1 » . ونجد تعليقا جميلا على هذه الآية في تفسير « إرشاد العقل السليم » ( أي ، بل يقولون افتراه وليس من عند اللّه قُلْ إن كان الأمر كما تقولون فَأْتُوا أنتم أيضا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في البلاغة وحسن النظم . . . مُفْتَرَياتٍ صفة أخرى لسور أخرت عن وصفها بالمماثلة لما يوحى لأنها الصفة المقصودة بالتكليف إذ بها يظهر عجزهم وقعودهم عن المعارضة ، وأما وصف الافتراء فلا يتعلق به غرض يدور عليه شيء في مقام التحدي وإنما ذكر على نهج المساهلة وإرخاء العنان ، ولأنه لو عكس الترتيب لربما توهم أن المراد هو المماثلة في الافتراء ، والمعنى : فأتوا بعشر سور مماثلة له في البلاغة ، مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اخلقته من عندي ، فإنكم أقدر على ذلك مني لأنكم عرب فصحاء بلغاء قد مارستم مبادي ذلك من الخطب والأشعار وحفظتم الوقائع والأيام وزاولتم أساليب النظم والنثر ) « 2 » . ولقد هشمت هذه الآية كبرياء المشركين ، وفضحت عجزهم ، وأردتهم في مهاوي الذل والخذلان فما استطاع أحد أن يتفوه ببنت شفه ، ولقد استعجمت ألسنتهم عن النطق بمثل هذا الكلام البديع وذلكم النظم المتألق الفريد . . . ( أما زلتم تقيمون على الزعم بأن محمدا افترى هذا القرآن على اللّه . . . ؟ أم أنكم لم تبرحوا تتقوّلون أن القرآن أساطير الأولين اكتتبها محمد فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ، لئن دار بعض هذا في خلدكم فخلوا عنكم أخباره الغيبية وعلومه اللدنية ، فلن يكون أسهل عليكم حسب زعمكم من اختلاق عشر سور تماثله بلاغة أسلوب وفصاحة بيان ، فأنتم العرب سادة الفصاحة والبلاغة ؟ وقد دعيتم إلى مثله في النظم في أي معنى أردتم مطلقا غير مقيد ، موسعا غير مضيق ، فليس إلى معاني القرآن دعيتم ، ولكن إلى بلاغة أسلوبه وفصاحة عباراته . . . أما وقد عجزتم ، وباء جمعكم بالخزي والخذلان

--> ( 1 ) مباحث في إعجاز القرآن الكريم ، مصطفى مسلم ، ص : 23 . ( 2 ) إرشاد العقل السليم ، محمد بن مصطفى العمادي أبو السعود ، 4 / 192 .