مروان وحيد شعبان
357
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
وفي « روح المعاني » : ( شامِخاتٍ مرتفعات ، ومنه شمخ بأنفه ، ووصف جمع المذكر بجمع المؤنث في غير العقلاء مطرد ، كأشهر معلومات وتنكيرها للتفخيم ، أو للإشعار بأن في الأرض جبالا لم تعرف ولم يوقف عليها ، فأرض اللّه تعالى واسعة وفيها ما لم يعلمه إلا اللّه عز وجل ، وقيل : للإشعار بأن في الجبال ما لم يعرف وهو الجبال السماوية ، وهو مما يوافق أهل الفلسفة الجديدة إذ قالوا بوجود جبال كثيرة في القمر ، وظنّوا وجودها في غيره ، وتعقب بأنه تفسير بما لم يعرف وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً أي عذبا ، وذلك بأن خلقناه في أصولها ، وأجريناه لكم منها في أنهار ، وأنبعناه في منابع تستمد مما استودعناه فيها ، وقد يفسر بما هو أعم من ذلك ، والماء المنزل من السماء ) « 1 » . وفي تفسير « أنوار التنزيل » : ( وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ جبالا ثوابت طوالا والتنكير للتفخيم ، أو الإشعار بأن فيها ما لم يعرف ولم ير ، وقوله تعالى : وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً بخلق الأنهار والمنابع فيها ) « 2 » . ويقول الإمام الرازي : ( من الاستدلال بأحوال الجبال ، أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض وذلك أن الحجر جسم صلب ، فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل ، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة ، ثم إنها لكثرتها وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض ، فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه ، ولهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر اللّه الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية ) « 3 » . إن الإنسان ليصاب بالدهشة عندما يقرأ تفسير هؤلاء العلماء رضي اللّه عنهم ، وهم يتحدثون عن هذه الحقائق العلمية الجيولوجية منذ قرون مضت ، ولم يكن في عصرهم ولا حتى بعدهم بقرون الآليات والمعدات التقنية المتطورة ، التي من شأنها أن تكشف عن أسرار المياه وارتباطها بالجبال الشامخات ، ولكنهم يستلهمون هذه المعطيات العلمية من وحي القرآن العظيم ، الذي حوى علم الأولين وعلم الآخرين .
--> ( 1 ) روح المعاني ، للآلوسي ، 28 / 178 ، وانظر : فتح الرحمن في تفسير القرآن ، عبد المنعم تعليب ، القاهرة ، دار السلام ، الطبعة الأولى 1416 ه / 1995 ، 7 / 3836 . ( 2 ) أنوار التنزيل ، للبيضاوي ، 5 / 433 . ( 3 ) التفسير الكبير ، للرازي ، 19 / 8 ، وانظر : تفسير مجاهد ، مجاهد بن جبر المخزومي ، تحقيق ، عبد الرحمن السورتي ، بيروت ، المنشورات العلمية ، د . ت ، 2 / 716 .