مروان وحيد شعبان
167
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
قوله تعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً « 1 » لأن الحق هنا يقرر ضعفهم وتفرده في الخلق والإيجاد ، ولكنه لا ينفي أبدا أن يفتش الإنسان عن المفردات العلمية والكونية ليعلم ماهية بداية الخلق والتكوين . ولقد عرض لنا القرآن الكريم بداية خلق الكون والمراحل التي مر بها عرضا بيانيا دقيقا ، يصور كل طور من أطوار الخلق بوضوح وجلاء دون لبس أو غموض ، وسوف نستعرض الآيات القرآنية التي تتحدّث عن كل مرحلة ، ونزيّلها بفهم علماء التفسير واللغة ، ثم نحدّد معطياتها ، لنرى مدى التوافق الدقيق بينها وبين ما وصل إليه علماء الفلك والكون في عصرنا الحاضر . مراحل الخلق أولا - مرحلة الرتق والفتق يقول تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ « 2 » . الآية هنا تسترعي انتباه العباد ، وتخلق فيهم الباعث الذي يولد في كينونتهم ، ويثير في ساحة الإدراك والتفكير لديهم حب الاستطلاع والرغبة في البحث والتنقيب عن سرّ انتقال هذا الكون العظيم من دنيا الفناء وعالم اللاشيء ، إلى طور التخلق فالقرار ثم الحياة ، ثم إن انبلاج هذا الكون من تلافيف العدم إلى حيّز الوجود وميدان الإدراك ، ليتطلّب من البشر أن يسخّروا ما أوتوا من قوة عقلية وعلمية ومادية ، في سبيل التعرف على خلق هذا الكون ، والوقوف عند المادة الأم التي تشكل الكون منها بأسره . والآية تشير إلى أن السماوات والأرض ، أي الكون وما بثّ في أرجائه من نجوم ومجرات وكواكب وشموس وأقمار كان شيئا واحدا ، كان مادة واحدة ، كتلة واحدة ثم انشطرت هذه المادة وفتقت وتفجرت ، فانفصلت السماوات عن الأرض ، وتباعدت أجزاؤها وأصبحت عالما عظيما مترامي الأطراف ، بعيد المدى ، واسع الرحاب ، وقوله سبحانه وتعالى : كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما تعبير دقيق ومشهد رائع ، يأخذ بالألباب
--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 51 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية : 30 .