بهجت عبد الواحد الشيخلي
479
اعراب القرآن الكريم
- صلى الله عليه وسلم - أنه سمع خصومة بباب حجرته فخرج إليهم فقال : إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك . وكلمة « أبلغ » معناها : أفصح ببيان حجته . ويقال : بلغ بلاغة فهو بليغ - فعيل بمعنى فاعل - وقال الزجاج : أي كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه . وقال غيره : البلاغة : إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ . وقال آخر : البليغ : هو أسهلهم لفظا وأحسنهم بديهة . وقال الإمام علي - رضي الله عنه - ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده . و « خصمان » في الآية الكريمة المذكورة آنفا هما في الحقيقة ملكان أي المشهور أنهما ملكان وقيل : الأقرب أنهما بشران عاديان . * * فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ : ورد هذا القول الكريم في الآية الكريمة الثانية والعشرين . . المعنى : ولا تجر في الحكم . . من أشط : أي جار . . وشط - يشط - شطا مثله والمصدر أيضا . . شططا وشطوطا والفعل من بابي « ضرب » و « قتل » وكلاهما مشتق من « الشطط » وهو البعد عن الحقيقة . أما الفعل « هدى » في « اهدنا » فقد تعدى هنا إلى مفعوله بحرف الجر وفي آيات أخرى تعدى بنفسه إلى المفعول وفي بعض منها تعدى باللام . كان الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول عند قيامه من فراشه : رب اغفر لي وارحم واهد للسبيل الأقوم . من هذا يتبين أن حرف الجر « إلى » يسقط في آية ويذكر في أخرى وأن الفعل « هدى » يتعدى إلى مفعولين . . وأنه يتعدى إلى المفعول الثاني منهما : إلى . . واللام . قالت العرب : إنك لا تهدي المتضال ومعناه : من ركب الضلال على عمد لم تقدر على هدايته وصار هذا القول مثلا يضرب لمن أتى أمرا على عمد وهو يعلم أن الرشاد في غيره . قال الشاعر : وما لي فيه سوى أنني * أراه هدى وافق المقصدا وأرجو الثواب يكتب الصلاة * على السيد المصطفى أحمدا وكان داود - عليه السلام - يسرد الدرع : أي ينسجها . . وقد لين الله له الحديد كالطين . وصادف أن يدخل عليه لقمان الحكيم فأراد أن يسأل داود - عليه السلام - عما يصنع فأدركته الحكمة . . فسكت وهو المشهور - أي لقمان - بعدم التدخل فيما لا يعنيه وهو الذي سأله رجل : ألست الذي ترعى معي في مكان كذا ؟ قال لقمان : بلى . قال : ما بلغ ما أرى ؟ قال لقمان : صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني . وهذا الذي حدا به أن يمسك نفسه عن سؤال داود : ما ذا يصنع ؟ فلما أتم داود نسج الدرع لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت . فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله . فقال له داود : بحق ما سميت حكيما . وعلى ذكر حكمة « لقمان » روي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان والقلب . . ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب . . فسأله عن ذلك فقال : هما أطيب ما فيها إذا طابا وأخبث ما فيها إذا خبثا . * * وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ : ورد هذا القول الكريم في الآية الكريمة الرابعة والعشرين وفيه « ما » زائدة للإبهام أي مبهمة والتعجب من قلتهم أما الفعل « ظن » فمعناه : علم . . أيقن . . وقد استعيرت لفظة « ظن » لمعنى « علم » لأن « الظن » الغالب يداني العلم أو تكون « ما » لتأكيد قلتهم لأن المعنى : وقليل هؤلاء . قال ابن مسعود : من علم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم . فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه : الله أعلم . ويقال في المدح والإعجاب والاستحسان : ما أعلمه وما أصوب رأيه ! ويقابله في الدعاء على الشخص بصيغة المدح قولهم : هبلته أمه . . وثكلته أمه ومثله : قاتله الله ما أشجعه !