بهجت عبد الواحد الشيخلي
190
اعراب القرآن الكريم
* * أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ : في هذا القول الكريم الوارد في بداية الآية الكريمة الثامنة تكون كلمة « جنة » بمعنى : أم به جنون يوهمه بذلك . . والكلمة جمع « جني » ومؤنثه . جنية . . وهو مخلوق مزعوم بين الإنس والأرواح سمي بذلك لاستتاره واختفائه عن الأبصار . وقيل : هي الجن . ومنه قوله تعالى في سورة « هود » : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وهي أيضا الجنون : أي زوال العقل وفساده كما في الآية الكريمة « أم به جنة » . * * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ : ورد هذا القول الكريم في آخر الآية الكريمة التاسعة . . المعنى : إن في ذلك المرئي لعلامة ودلالة لكل عبد راجع أو تائب إلى الله . . فحذف النعت أو البدل المشار إليه « المرئي » اختصارا لأن ما قبله يدل عليه . * * أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الحادية عشرة . . بمعنى : أي وأوحينا له أي لداود وقلنا له دروعا سابغات أي طويلات فحذف المفعول به الموصوف « دروعا » وحلت الصفة « سابغات » محله كما حذف الموصوف « عملا » أيضا وحلت صفته « صالحا » محله . وبمعنى وجهنا داود أن يعمل دروعا و « سابغات » جمع « سابغة » : وهي الدرع الضافية الوثيقة النسج . . ووردت هذه اللفظة في قول النابغة في وصف جيش : فيه الرماح وفيه كل سابغة * جدلاء محكمة من نسج سلام قال أحد الأدباء : فساد المعنى - أي اللفظ الذي أخل فساده بمعناه - متأت من كون الذي لان الحديد له حتى نسج الدروع منه هو داود - عليه السلام - كما في الآية الكريمة السابقة فانحرف الشاعر عنه إلى سليمان وانحرف عن سليمان إلى سلام وكل ذلك من جناية القافية . وعلى ذكر سليمان وسلام وتغير الأسماء يحكى أن رجلا استأذن على سليمان بن وهب ليعزيه عن أمه فأذن له وقال : لأم سليمان علينا مصيبة * مغلقة مثل السيوف البواتر وكنت سراج البيت يا أم سالم * فأضحى سراج البيت وسط المقابر فاشتد الكرب « الحزن والغم - بسليمان . . حتى قال لمن حوله : ما لقيت من هذا الرجل ! رثى أمي بهذا البيت أو القول وغير اسمي من سليمان إلى سالم . * * وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ : ورد هذا القول الكريم في بداية الآية الكريمة الثانية عشرة . . المعنى : جريها أو ذهابها بالغداة - وهي من الفجر إلى طلوع الشمس - مسيرة شهر فحذف الخبر المضاف « مسيرة » وحل المضاف إليه « شهر » محله وارتفع ارتفاعه . ويجمع « الشهر » - جمع قلة - أي من ثلاثة إلى تسعة على أشهر ومن العشرة فما فوق : شهور أي جمع كثرة . . ويقال : شهر الرجل سلاحه أو سيفه ولا يقال : أشهر سلاحه أو سيفه لأن المعنى يختلف فالثلاثي « شهر » بمعنى : رفع أو استل في حين أن الفعل الرباعي « أشهر » معناه : دخل في الشهر وجاء في الحديث الشريف : « ليس منا من شهر علينا السلاح - أي من سله وانتضاه ورفعه علينا أما الفعل الرباعي لهذا المعنى فغير منقول . وأشهر الرجل إشهارا أي أتى عليه شهر كما يقال : أحال : بمعنى أتى عليه حول - أي عام - يقال : أفشيت الشيء فاشتهر وهو مشهور - اسم مفعول - مثل : غمره فهو مغمور . وقيل : قد يظلم البريء لأنه مغمور ويبرأ الظالم لأنه مشهور .