بهجت عبد الواحد الشيخلي
536
اعراب القرآن الكريم
* * إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ : هذا القول الكريم هو نهاية الآية الكريمة السادسة والخمسين . و « المحسنين » جمع « المحسن » وهو اسم فاعل يعمل عمل فعله المتعدي إلى المفعول وقد حذف مفعوله اختصارا . التقدير : المحسنين أعمالهم . وفي القول الكريم ذكّر خبر « إنّ » وهو « قريب » مع أن اسم « إنّ » مؤنث وهو « رحمة » والسبب في ذلك أنّ « الرحمة » جاءت على تأويل « الرحم » أو « الترحم » أو لأنه صفة موصوف محذوف بتقدير : شيء أو أمر قريب . . أو على تشبيهه بصيغة « فعيل » بمعنى : مفعول . . أو لأن تأنيث « رحمة » تأنيث مجازي أي غير حقيقي فرق بينهما بحرف التأنيث مثل « الرؤيا » بمعنى « الرؤية » إلّا أنها مختصة بما كان في المنام دون اليقظة فرق بينهما بحرفي التأنيث كما قيل : القربة والقربى . وفي صيغة فعيل وهي من صيغ المبالغة يستوي فيها المؤنث والمذكر . قال الفيّوميّ : قال أبو عمرو بن العلاء : للقريب في اللغة معنيان : أحدهما قريب قرب فيستوي فيه المذكر والمؤنث فيقال : زيد قريب منك وهند قريب منك لأنه من قرب المكان والمسافة فكأنّه قيل : هند موضعها قريب ومنه الآية الكريمة المذكورة . والثاني : قريب قرابة فيطابق فيقال : هند قريبة وهما قريبتان . وقال الخليل : القريب والبعيد : يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع . وقال ابن الأنباريّ : قريب : مذكر موحد . تقول هند قريب والهندات قريب لأن المعنى : الهندات مكان قريب وكذلك البعيد ويجوز أن يقال : قريبة وبعيدة لأنك تبنيهما على « قربت » وبعدت » وجاء في قوله تعالى : « إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ » لا يجوز حمل التذكير على معنى : إنّ فضل اللّه لأنه صرف اللفظ عن ظاهره بل لأن اللفظ وضع للتذكير والتوحيد وحمله الأخفش على التأويل فقال المعنى أنّ نظر اللّه . وزيد قريبي وهم الأقرباء والأقارب والأقربون وهند قريبتي وهنّ القرائب . قال الشاعر : دعوتك بالقرابة والجوار * دعاء مصرّح بادي السّرار لأنّي عنك مشتغل بنفسي * ومحترق عليك بغير نار وقالت العرب : تقاربوا بالمودّة ولا تتكلموا عن القرابة . وقال الشاعر طرفة بن العبد في معلّقته : وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة * على المرء من وقع الحسام المهنّد يقول الشاعر : ظلم الأقارب أشدّ تأثيرا في تهييج نار الحزن والغضب من وقع السيف القاطع المحدد أو المطبوع . و « المضاضة » من : مضّني الأمر وأمضّني : بمعنى : بلغ من قلبي وأثّر في نفسي تهييج الحزن والغضب . وقالت العرب : ظلم الأقارب أشدّ مضاضة أو مضضا من وقع السيف . * * حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ : هذا القول الكريم ذكر في الآية الكريمة السابقة المعنى والتقدير : حتى إذا حملت الرياح سحبا مثقلة بالمياه دفعناها لبد ميت لإحيائه أي لإحياء أرض مجدبة لا نبات فيها . وكان مقتضى اللغة أن يقال : سقناها لأن السحاب بمعنى « سحائب » وهي جمع « سحابة » ولكن الضمير « الهاء » أفرد وذكّر . . باعتبار لفظ « سحاب » لا معناه . * * لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ : التقدير : يشكرون نعمة اللّه عليهم . . فحذف مفعول « يشكرون » اختصارا لأنه معلوم وهو النعمة .