علي بن يوسف القفطي
90
إنباه الرواة على أنباه النحاة
كأنّما نظر الأعمى إلى أدبى * وأسمعت كلماتي من به صمم وسمع الجماعة يوما يذكرون بطَّيخ حلب ، فتكلَّف وسيّر من ابتاع له منه حملا ، وأحضرهم إيّاه ، فأفردوا له منه عددا يسيرا ، وتركوه في سرداب له كان إذا أراد الأكل نزل إليه وأكل مستترا ، ويقول : الأعمى عورة ، والواجب استتاره في كلّ أحواله . ولما كان بعد أيام نزل خادمه إلى تفقّد المغارة ؛ [ و ] ( 1 ) وجد البطَّيخ بحاله لم يعرض له وقد فسد ، فراجعه في ذلك فلم يجبه . واستدل الجماعة بذلك على أنه ما كان يتفكَّه . وربّما كان يتناول ما يقوم بالأود من أيسر الموجودات . وذكر أنّه نزل إلى السّرداب ، وأكل شيئا من ربّ أو دبس ، ( 2 ) ونقط على صدره منه يسير وهو لا يشعر به . فلما جلس للإقراء لمحه بعض الطلبة فقال : يا سيّدى ، أكلت دبسا ! فأسرع بيده إلى صدره ومسحه ، وقال : نعم ، لعن اللَّه النّهم ! فاستحسن منه سرعة فهمه بما على صدره ، وأنه الذي أشعر به . وكان الطَّلبة إذا قصدوه أنفقوا على أنفسهم من موجودهم ، ولم يكن له من السّعة ما يبرّهم به . وأهل اليسار من أهل المعرّة يعرفون بالبخل ، فكان - رحمه اللَّه - يتأوّه من ذلك ، ويعتذر إلى قاصديه . ولقد قصده من الطلبة رجل أعجمي يعرف بالكردانيّ ، وكتب عنه فيما كتب ذكرى حبيب . فتقدم أبو العلاء إلى بعض نسبائه بما كتبه له على الكتاب المذكور وهو : « قال أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان التّنوخيّ ، من أهل معرة النعمان : قرأ عليّ هذا الجزء ، وهو الجزء الثاني من الكتاب المعروف بذكرى حبيب الشيخ الفاضل
--> ( 1 ) التكملة عن معجم الأدباء . ( 2 ) الرب : سلافة خثارة كل تمرة بعد اعتصارها . والدبس : عسل التمر وعصارته .