علي بن يوسف القفطي

84

إنباه الرواة على أنباه النحاة

كتابا في اللغة ، وعارض سورا من القرآن . وحكى عنه حكايات مختلفة في اعتقاده ، حتى رماه بعض الناس بالإلحاد . وبلغنا أنه مات في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأوّل ، سنة تسع وأربعين وأربعمائة » . انقضى كلام أحمد بن علي في كتابه . وذكر غيره أن أبا العلاء جدر في السنة الثالثة من عمره ، وكفّ من الجدريّ . وقال : لا أعرف من الألوان إلا الأحمر ، فإنني ألبست في مرض الجدريّ ثوبا مصبوغا بالعصفر ، فأنا لا أعقل غير ذلك ، وكل ما أذكره من الألوان في شعري ونثرى إنّما هو تقليد الغير ، واستعارة منه . ولما كبر أبو العلاء ، [ و ] وصل إلى سنّ الطلب ، أخذ العربية عن قوم من بلده ، كبنى كوثر ، أو من يجرى مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته ، وقيّد اللَّغة عن أصحاب ابن خالويه أيضا . وطمحت نفسه إلى الاستكثار من ذلك ، فرحل إلى طرابلس الشام ، وكانت بها خزائن كتب قد وقفها ذوو اليسار من أهلها ، فاجتاز باللَّاذقيّة ( 1 ) ، ونزل دير الفاروس ( 2 ) ، وكان به راهب يشدو شيئا من علوم الأوائل ، فسمع منه أبو العلاء كلاما من أوائل أقوال الفلاسفة ، حصل له به شكوك لم يكن عنده ما يدفعها ( 3 ) به ، فعلق بخاطره ما حصل به بعض الانحلال ، وضاق عطنه عن كتمان ما تحمّله من ذلك ، حتى فاه به في أول عمره ، وأودعه أشعارا له ، ثم ارعوى ورجع ، واستغفر واعتذر ، ووجّه الأقوال وجوها احتملها التأويل . ولم يكن من ذوى الأحوال ( 4 ) في الدنيا ، وإنما خلَّف له وقف يشاركه فيه غيره من قومه . وكانت له نفس تشرف عن تحمّل المنن ، فمشى حاله على قدر الموجود ،

--> ( 1 ) اللاذقية : مدينة كانت من أعمال حمص ، قريبة من حلب . ( 2 ) دير الفاروس : من ديارات الروم ، وكان باللاذقية . ( 3 ) في الأصل : « ما يدفعه بها » . ( 4 ) يريد أنه لم يكن من ذوى اليسار .