علي بن يوسف القفطي
389
إنباه الرواة على أنباه النحاة
اللغة مثل ذلك . والثالث هو أضعف الوجوه : أنهم كرهوا الخروج من الأخفّ إلى الأثقل . فسكت خجلا ولم يعاود الحلقة بعدها . ثم رأيته بعد سنين ببيت المقدس يرتزق في مدرسة بها على طلب فقه الشافعي ، ويزعم أنه يفيد النحو لطالبيه ، وما رأيت قارئا له عليه . وبلغنى أنه رحل عن المقدس إلى دمشق ، وصار بها أحد من يحضر عقود الأنكحة ؛ إلى أن مات في حدود سنة عشرين وستمائة ( 1 ) .
--> ( 1 ) قال ابن مكتوم : « ذكر الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري في كتاب التكملة له : أنه مات بدمشق في الثالث أو الثاني والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة » . وذكره أبو شامة المقدسي في الذيل على الروضتين ضمن وفيات سنة 623 ، وأورد له ترجمة تخالف رأى المؤلف فيه ، أثبتها فيما يلي لتباين ما بين الرأيين : « وفيها ( سنة 623 ) في شهر رجب أو شعبان توفى الشيخ تقى الدين خزعل بن عسكر بن خليل الثنائي المصري النحوي ، ودفن بباب الصغير . وكان - رحمه اللَّه - شيخا حسنا فاضلا مفتيا متواضعا قاضى الحاجة لكل من يقصده ، أقام بالقدس الشريف زمانا يقرئ الناس به ؛ حتى كان يعرف بنحويّ القدس ، ثم قدم دمشق سنة خرب القدس المعظم ، وهى سنة خمس عشرة ، فأعطى إمامة مشهد علي بن الحسين - رضى اللَّه عنهما - بالجامع ، وأنزل في المدرسة العزيزية ، فكان يقرئ بها ، ويتولى عقود الأنكحة ، وكنت إذ ذاك ساكنا بالمدرسة ، وأتردّد إليه ، فقرأت عليه عروض الناصح بن الدهان الموصلي ؛ وأخبرني عن مصنفه ، وقرأت عليه أيضا جدل الكمال الأنباري ، وأخبرني به عن مصنفه ، وأنشدني لنفسه ميميّة في حصر أقسام الواو وغير ذلك . وكان يحثني على حفظ الحديث والتفقه فيه ؛ خصوصا صحيح مسلم ، ويقول : إنه أسهل من حفظ كتب الفقه وأنفع وأصدق - رحمه اللَّه . وحث على مسح جميع الرأس في الوضوء احتياطا ، وبحثت في دليله فأعجبني واستقرّ في نفسي ، فما أعلم أنى تركته من ذلك الزمان إلى الآن . واللَّه المستعان فيما بقي لنا من الزمان » . « وكنت أرى منه مروءة تامة في تولية عقود الأنكحة وفى فسخها وفى فعله فيما يحصل منها ؛ فكان إذا غلب على ظنه فقر أهل الواقعة لا يأخذ منهم شيئا ، وأما عند الطلاق والفراق فلا يأخذ شيئا أصلا ، سواء كانوا فقراء أو أغنياء ، وكان ما تحصل له من ذلك يتصدّق بجملة منه ؛ فلا يرد سائلا ، وربما جاءه من يطلب منه شيئا ، فيقول : اقعد ؛ فما يأتي فهو لك ، فأوّل شئ يأتيه يعطى ذلك القاصد ما يحصل منه كائنا ما كان . ومن مروءته أنه فوّض إليه المسجد الذي قبلي قيسارية الفرش ، وكان لصاحبنا شمس الدين محمد بن عبد الجليل ، واتفق أنه فارقه ، وسافر عنه متزهدا إلى العراق ، ثم اتفق رجوعه ، فنزل له عن المسجد وردّه إليه ، فاستحسن ذلك منه » .