علي بن يوسف القفطي

283

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وكان أبو العباس المبرّد يصف المازنيّ بالحذق بالكلام والنحو . قال : وكان إذا ناظر أهل الكلام لم يستعن بشئ من النحو ، وإذا ناظر أهل النحو لم يستعن بشئ من الكلام . وقال الجاحظ في كتاب البلدان ، وقد ذكر فضل البصرة ورجالها : « وفينا اليوم ثلاثة رجال نحويّون ليس في الأرض مثلهم ، ولا يدرك مثلهم - يعنى في الاعتلال والاحتجاج والتقريب ؛ منهم أبو عثمان بكر بن محمد المازنيّ ، والثاني العباس بن الفرج الرياشيّ ، والثالث أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الزياديّ . وهؤلاء لا يصاب مثلهم في شئ من الأمصار » . وكتب كتابه ( 1 ) هذا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وأربعين ومائتين . وكان المازنيّ من فضلاء الناس ورواتهم وثقاتهم ، وكان متخلَّقا ( 2 ) رفيقا بمن يأخذ عنه ، فذكر محمد بن يزيد عنه قال : قرأ عليّ رجل كتاب سيبويه في مدّة طويلة ، فلما بلغ آخره قال لي : أمّا أنت فجزاك اللَّه خيرا ، وأما أنا فما فهمت منه حرفا . وذكره المبرّد قال ، قال المازنيّ : قرأت على يعقوب بن إسحاق الحضرميّ القرآن ، فلما ختمت رمى إليّ بخاتمه وقال : خذه ، ليس لك مثل ، وكذلك فعل يعقوب بأبى حاتم ، ختم عليه سبع ختمات ، وقيل خمسا وعشرين ختمة ، فأعطاه خاتمه ، وقال : أقرئ الناس . وكان الواثق كتب في حمله من البصرة إلى سرّ من رأى ، فأراده على النظر والكلام ، فأبى وقال : أنا تارك ، فأعفوه . ووهب له الواثق مالا ، وردّه إلى البصرة .

--> ( 1 ) في الأصل : « كتابنا » . ( 2 ) المتخلق : الذي يظهر الجمال ويتصنع الحسن .