علي بن يوسف القفطي

258

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وكان أبو عمرو في مجلس سعيد بن سلم الباهليّ ( 1 ) ، وفيه الأصمعيّ ، فأنشد الأصمعي بيت الحارث بن حلَّزة : عننا باطلا وظلما كما تع‍ * نز عن حجرة الرّبيض الظَّباء ( 2 ) فقال للأصمعيّ : وما معنى « تعنز » ؟ قال : تنحّى ، ومنه قيل : « العنزة » التي كانت تجعل قدّام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . فقال أبو عمرو : الصواب « كما تعتر عن حجرة الرّبيض » ، أي تنحر فتصير عتائر ( 3 ) . فوقف الأصمعيّ ، فقال أبو عمرو : واللَّه لا تنشد بعد اليوم إلا « تعتر » . قال يونس بن حبيب : دخلت على أبى عمرو الشيبانيّ ، وبين يديه قمطر فيه أمناء ( 4 ) من الكتب يسيرة ، فقلت له : أيّها الشيخ ، هذا جميع عملك ! فتبسم إليّ ، وقال : إنه من صدق كثير .

--> ( 1 ) هو سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهليّ ، بصريّ الأصل . سكن خراسان ، وولاه السلطان بعض الأعمال بمرو ، ثم قدم بغداد ، وسمع عبد اللَّه بن عون وطبقته ، وحدث بعد ذلك ، وروى عنه محمد ابن زياد بن الأعرابيّ ، وله أخبار طريفة ، ذكر الخطيب شيئا منها في تاريخ بغداد ( 9 : 74 ) . ( 2 ) عننا ، اسم مصدر ؛ من عنّ بمعنى اعترض ، والحجرة : الناحية يكون فيها الغنم . والبيت في اللسان : ( 17 : 163 ) . ( 3 ) قال التبريزيّ في شرح المعلقات ص 260 عند ذكر هذا البيت : « أصل العتر : الذبح في رجب ، والعرب كانت تنذر النذر ، فيقول أحدهم : إن رزقني اللَّه مائة شاة ذبحت عن كل عشرة شاة في رجب ، ويسمى ذلك العتيرة ، فربما بخل أحدهم بما نذر ، فيصيد الظباء ، فيذبحها عوضا عن الشاة ؛ فالمعنى أنكم تطالبوننا بذنوب غيرنا ، كما ذبح أولئك الظباء عن الشاة » . ( 4 ) الأمناء : جمع منا ، بفتح الميم ، وهو الكيل أو الميزان الذي يوزن به . ويريد أن بالقمطر قدرا يسيرا من الكتب .