علي بن يوسف القفطي

195

إنباه الرواة على أنباه النحاة

بأجرة إلا على قدرها - فقال لي : أيّ شئ صناعتك ؟ قلت : ألخرط الزجاج ، وكسبى في كل يوم درهم ودانقان ، أو درهم ونصف ، وأريد أن تبالغ في تعليمي ، وأن أعطيك كلّ يوم درهما ، وأشرط لك أنى أعطيك إياه أبدا ، إلى أن يفرق الموت بيننا : استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه . قال : فلزمته ، وكنت أخدمه ( 1 ) في أموره مع ذلك ، فأعطيه الدرهم ، فينصحنى في العلم حتى استقللت ، فجاءه كتاب بعض بنى مارمة ( 2 ) من الصّراة ( 3 ) ، يلتمسون معلَّما نحويّا لأولادهم ، فقلت : أسمنى لهم ، فأسمانى ، فخرجت ، فكنت أعلَّمهم ، وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهما ، وأتفقّده بعد ذلك بما أقدر عليه . ومضت مدة على ذلك ، فطلب منه عبيد اللَّه بن سليمان ( 4 ) مؤدّبا لابنه القاسم . فقال له : لا أعرف لك إلا رجلا زجّاجا بالصّراة ، مع بنى مارمة . قال : فكتب إليهم عبيد اللَّه ، فاستنزلهم عنى ، فنزلوا له ، فأحضرنى ، وأسلم القاسم إليّ . فكان ذلك سبب غناي ، وكنت أعطى المبرّد ذلك الدرهم في كلّ يوم إلى أن مات ، ولا أخليه من التفقّد معه بحسب طاقتى . وحكى أبو الحسين عبد اللَّه بن أحمد بن عيّاش القاضي : حدثني أبو إسحاق الزّجاج قال : كنت أؤدّب القاسم ( 5 ) بن عبيد اللَّه فأقول له : إن بلَّغك اللَّه مبلغ أبيك ، وولَّيت الوزارة ماذا تصنع بي ؟ فيقول : ما أحببت ، فأقول له : تعطني عشرين ألف

--> ( 1 ) في الأصل : « آخذ منه » ، والصواب ما أثبته عن تاريخ بغداد . ( 2 ) كذا في الأصل ، وهو ما يوافق ما في تاريخ بغداد ، وفى معجم الأدباء ، وبغية الوعاة : « بنى مارقة » . ( 3 ) الصراة : نهر ببغداد . ( 4 ) هو عبيد اللَّه بن سليمان بن وهب وزير المعتضد له . استمرّ في وزارته إلى أن مات سنة 288 ، وكان حظيا عنده ، وقد عز عليه موته ، وتألم لفقده ، وأهمه من يجعله في مكانه بعده ، ثم عقد لولده القاسم جبرا لمصابه به . تاريخ ابن كثير ( 11 : 85 ) . ( 5 ) كان القاسم بن عبيد اللَّه من دهاة العالم وأفاضل الوزارء ، وكان شهما فاضلا كريما مهيبا جبارا ، وكان وزيرا للمعتضد ، فلما مات استوزره من بعده المكتفى باللَّه ، وتوفى في خلافته . الفخريّ ص 226 .