علي بن يوسف القفطي
191
إنباه الرواة على أنباه النحاة
وورث أموالا كثيرة ، فأنفقها على طلب الحديث . ومن زهده أنّه ما احتفل في ملبسه ولا في مأكله يوما قطَّ ، ولا شكا مرضا يجده إلى أحد من أهله . وأقام سنين ينظر بفرد عين ، وما أعلم أحدا بذلك ، وأفنى من عمره ثلاثين سنة لا يأكل سوى رغيفين ؛ إن جاءته أمّه وأخته بهما ، وإلا بات جوعان ( 1 ) . واقتنع ثلاثين أخرى برغيف في كلّ يوم ، إن جاءه أكل ، وإلا بات جوعان ، وربّما مشى قطعة من زمانه بنصف رغيف وأربع عشرة تمرة . وغابت امرأته عنه عند بنته زائرة لمرضها ، فكانت مؤنته في الشهر بدرهم ودانقين ( 2 ) ونصف . واشترى صابونا ، ودخل الحمام بدانقين ، فقامت نفقة الشهر - وهو رمضان - بدرهم وأربعة دوانق [ ونصف ] . وقال : ( 3 ) ما كنا نعرف من هذه الصّباغ ( 4 ) شيئا سوى باذنجانة مشوية ، أو لعيقة بنّ ، ( 5 ) أو باقة فجل . وما تروّح بمروحة قط ، ولا روّح ، ولا أكل من شئ واحد في يوم مرتين . وجاء إنسان ( 6 ) إلى إبراهيم الحربيّ يشكو إليه ضائقة أدركته ؛ فقال له إبراهيم : لا تقنط ؛ فإن مع العسر يسرا ، ولقد ضقت مرة حتى عدمنا القوت ، فقالت لي امرأتي : إن الصبيّين لا يصبران على ما نصبر عليه ، فأعطني شيئا من كتبك
--> ( 1 ) في الأصل : « جيعانا » . ( 2 ) الدائق ، بكسر النون وهو الأفصح ؛ كما قاله الجواليقيّ في المعرب ص 145 ، وهو سدس الدرهم . ( 3 ) في الأصل : « فقال » . وفى تاريخ بغداد ، يروى الخبر عن أبي القاسم بن بكير . ( 4 ) في الأصل : « الطباع » ، وهو تحريف . والصباغ : جمع صبغ ، وهو كل ما غمس واؤتدم به . وفى تاريخ بغداد وصفة الصفوة : « الأطبخة » . ( 5 ) اللعيقة ، تصغير لعقة ؛ بفتح اللام ، وهى الشئ القليل . والبن ، بالكسر : الشحم . ( 6 ) هو أحمد بن سليمان القطيعيّ ، كما في تاريخ بغداد .