علي بن يوسف القفطي

184

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وكان محمد بن عبد اللَّه بن طاهر قد أجرى على ثعلب كما ذكرنا في كلّ شهر ألف درهم ، وعلى خليفته خمسمائة درهم ، وعلى ختنه ثلاثمائة درهم . قال ثعلب : سألني محمد بن زياد الأعرابيّ - رحمه اللَّه : كم لك من الولد ؟ فقلت : ابنة ، وأنشدته ( 1 ) : لولا أميمة لم أجزع من العدم * ولم أجب في الليالي حندس الظَّلم ( 2 ) تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزّال على الحرم وكان ثعلب لا يكاد يجتمع مع المبرّد في مجلس ، للسبب الذي تقدّم ذكره ، فإذا تلاقيا في الطريق تواقفا وتساءلا - رحمهما اللَّه . وكانت بنت أبي العباس قد استهلكت له ألف دينار من ألفي دينار ، فطالبها بذلك أشدّ مطالبة ، وأغلظ لها ، وجمع عليها أصحابه ، وناظرها بحضرتهم ، فقالت له من وراء السّتر : أنت أعرف بموضع الدنانير ، كان الوقت صيفا كما علمت ، وكنت تخرج عنا بكرا ( 3 ) ؛ فإذا انتصف النهار ترجع إلينا ؛ فتخلع ثيابك ، وتقول : عندكم شئ نأكله ؟ فتخرج إليك الجارية مائدة ، عليها أرغفة سميذ ؛ وقطعة من جدى أو دجاجة ، أو بذج ( 4 ) ، وفضلة من جام ( 5 ) ، حلواء ، فتأكل من ذلك ، ولا تقول : من أين لكم هذا ، فلا يزال ذلك دأبك ، ولا تسأل عمّا يقدّم إليك ، ولا عمّا ترى من الفاكهة والطَّيبات ؛ يا أصحابه ، قولوا له : تلك الدنانير ذهبت فيما كنت تأكله ولا تسأل عنه ؛ نأكل ونطعمك . فافترقا ، وقد أوجبت عليه الحجّة ، ولم يصل منها إلى درهم واحد .

--> ( 1 ) البيتان من مقطوعة لإسحاق بن خلف ؛ كما في ديوان الحماسة لأبى تمام ( 1 : 274 ) . ( 2 ) في ديوان الحماسة : « ولم أقاس الدجى في حندس الظلم » ، والحندس : شدة الظلمة . ( 3 ) البكر ، بفتح فكسر : المتعجل . ( 4 ) البذج ، محركة : ولد الضأن . ( 5 ) الجام : الإناء .