سعيد حوي

4171

الأساس في التفسير

أهل الزمان ! . فإذا طال الأمد ، وأبطأ نصر اللّه ، كانت الفتنة أشد وأقسى . وكان الابتلاء أشد وأعنف . ولم يثبت إلا من عصم اللّه . وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان ، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى ، أمانة السماء في الأرض ، وأمانة اللّه في ضمير الإنسان . وما باللّه - حاشا للّه - أن يعذب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنة . ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمّل الأمانة . فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ؛ وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر اللّه أو في ثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء . والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ؛ وتستجيش كامن قواها المذخورة فتستيقظ وتتجمع . وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ويصقل . وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات ، فلا يبقى صامدا إلا أصلبها عودا ، وأقواها طبيعة ، وأشدها اتصالا باللّه ، وثقة فيما عنده من الحسنيين : النصر أو الأجر ، وهؤلاء هم الذين يسلّمون الراية في النهاية . مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار . وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن ؛ وبما بذلوا لها من الصبر على المحن ؛ وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات . والذي يبذل من دمه وأعصابه ، ومن راحته واطمئنانه ، ومن رغائبه ولذاته . ثم يصبر على الأذى والحرمان ؛ يشعر - ولا شك - بقيمة الأمانة التي بذل فيها ما بذل ؛ فلا يسلمها رخيصة بعد كل هذه التضحيات والآلام . فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية فأمر تكفّل به وعد اللّه . وما يشك مؤمن في وعد اللّه . فإن أبطأ فلحكمة مقدّرة ، فيها الخير للإيمان وأهله . وليس أحد بأغير على الحق وأهله من اللّه . وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة ، ويقع عليهم البلاء ، أن يكونوا هم المختارين من اللّه ، ليكونوا أمناء على حق اللّه . وأن يشهد اللّه لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء : جاء في الصحيح : « أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل ،