سعيد حوي

4032

الأساس في التفسير

في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء ذلك حين تضيق الحلقة ، وتشتد الخنقة ، وتتخاذل القوى ، وتتهاوى الأسناد ؛ وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص . لا قوته ، ولا قوة في الأرض تنجده . وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى ؛ وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى . . في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة ، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء . فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه . هو وحده دون سواه . يجيبه ويكشف عنه السوء ، ويرده إلى الأمن والسلامة ، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق . والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء ، وفترات الغفلة . يغفلون عنها فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة . فأما حين تلجئهم الشدة ، ويضطرهم الكرب ، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة ، ويرجعون إلى ربهم منيبين مهما يكونوا من قبل غافلين أو مكابرين . والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم ، ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل . حقائق خلق السماوات والأرض ، وإنزال الماء من السماء ، وإنبات الحدائق البهيجة ، وجعل الأرض قرارا ، والجبال رواسي ، وإجراء الأنهار ، والحاجز بين البحرين . فالتجاء المضطر إلى الله ، واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق . هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء . ويمضي في لمس مشاعرهم بما هو واقع في حياتهم : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ . . فمن يجعل الناس خلفاء الأرض ؟ أليس هو الله الذي استخلف جنسهم في الأرض أولا . ثم جعلهم قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، يخلف بعضهم بعضا في مملكة الأرض التي جعلهم فيها خلفاء ؟ أليس هو الله الذي فطرهم وفق النواميس التي تسمح بوجودهم في هذه الأرض ، وزودهم بالطاقات والاستعدادات التي تقدرهم على الخلافة فيها ، وتعدهم لهذه المهمة الضخمة الكبرى . النواميس التي تجعل الأرض لهم قرارا ؛ والتي تنظم الكون كله متناسقا بعضه مع بعض بحيث تتهيأ للأرض تلك الموافقات والظروف المساعدة للحياة . ولو اختل شرط واحد من الشروط الكثيرة المتوافرة في تصميم هذا الوجود وتنسيقه