سعيد حوي
3962
الأساس في التفسير
كلمة في السياق : نلاحظ أنه ورد أولا قوله تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ثم ورد قوله تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ * تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ وفي الوسط جاء قوله تعالى : فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ . . وَاخْفِضْ . . وَتَوَكَّلْ . . فكأن الله عزّ وجل جعل في الوسط هذه الآيات ليبين أن كتابا يأمر هذه الأوامر ، ورسولا يتلقى هذه الأوامر ، لا يمكن أن يكون ذلك أثرا عن عالم الشياطين الكاذبين الآثمين ، الذين يأتون أمثالهم من الكاذبين الآثمين ، ليسيروهم في طريق الكذب والإثم . وقد لاحظ النسفي أن السياق يصب كله في معنى واحد هو التنزيل وعلل لذكر معان أخرى فيما بين ذلك بقوله : ( وإنما فرق بين ) و إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ و هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ وهن أخوات لأنه إذا فرق بينهن بآيات ليست منهن ثم رجع إليهن مرة بعد مرة دل ذلك على شدة العناية بهن ، كما إذا حدثت حديثا وفي صدرك اهتمام بشيء فتعيد ذكره ، ولا تنفك عن الرجوع إليه ) . فكأن النسفي لاحظ أن المعنى الرئيسي في الخاتمة إنما هو إثبات التنزيل ، وأنه من عند الله رب العالمين ، فإذا اتضح هذا عرفنا حكمة ختم السورة بالكلام عن الشعراء ، فلنر ذلك ثم نعلق عليه . وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أي السفهاء الضلال . ومحمد صلى الله عليه وسلم يتبعه المهتدون ومن ثم فليس شاعرا . أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ أي أن الشعراء فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ أي في كل لغو يخوضون ، وفي كل فن من الكلام يتكلمون كذبا أو باطلا أو غير ذلك ، بينما هذا القرآن يمشي على سنن واحدة ، وطريقة واحدة ، ونسق واحد ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس شاعرا ، لا بأخلاقه ، ولا بسلوكه ، ولا بكلامه ، فكيف يسمى القرآن شعرا ومحمد شاعرا وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ومحمد صلى الله عليه وسلم بشهادة الجميع لا يقول إلا ما يفعل . وقد ذكرنا في كتابنا ( الرسول ) شهادات الجميع على ذلك ، ومن ثم - ولهذه الأشياء جميعا - فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس شاعرا ، ولا يمكن أن يكون القرآن شعرا . فسياق الآيات إذن للتدليل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس شاعرا ، وعلى أن القرآن ليس شعرا ، بل هو تنزيل رب العالمين . وإذ كان السياق لتأكيد هذا المعنى فقط ،