سعيد حوي

3918

الأساس في التفسير

الله يعلم كيدهم ، وهو الذي يدبر للمؤمنين ، وعلى المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب . وأما تدبير فرعون فقد انصب على ما يسمى باصطلاح عصرنا بالتوعية الشعبية فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي جامعين للناس بعنف ، أي أرسل من يجمع الناس ليقولوا لهم : إِنَّ هؤُلاءِ أي بني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ أي لطائفة قَلِيلُونَ أي إنهم لقلتهم لا يعبأ بهم وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ أي إنهم يفعلون أفعالا تغيظنا ، وتضيق صدورنا وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي متيقظون بشكل دائم . يعني : ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور . فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده ، وهكذا لخص الله لنا بأربع آيات تدبير فرعون ضد بني إسرائيل ، وهو التدبير المستمر للطغاة في كل العصور ضد أهل الحق : يحشرون الناس ، ويجمعونهم بسلطة السلطان ، فيعقدون الاجتماعات والندوات ، ويسيرون المسيرات للتوعية - في زعمهم - ويقولون عن أهل الحق : إنهم فئة قليلة منحرفة عن إرادة الشعب ، وخارجة على إرادة الجماهير ، وأنهم يقومون بأعمال إجرامية ضد السلطة ، وأن على جميع الشعب أن يكون حذرا وواعيا . إن مثل هذا التسجيل الخالد لفعل فرعون ، والذي ينطبق على كل زمان ومكان ، لهو وحده معجزة ، ومن هنا نفهم سرا من أسرار القصص القرآني ، وخصيصة من خصائصه إن القصة القرآنية نموذج خالد مستمر متكرر فيه عبرة وعظة ودروس لكل إنسان ، وفي كل زمان . ثم بعد ذلك قص الله علينا عاقبة الجميع فَأَخْرَجْناهُمْ أي فرعون وقومه مِنْ جَنَّاتٍ أي بساتين وَعُيُونٍ أي وأنهار جارية وَكُنُوزٍ أي وأموال ظاهرة من الذهب والفضة . قال النسفي : وسماها كنوزا لأنهم لا ينفقون منها في طاعة الله وَمَقامٍ أي ومنزل كَرِيمٍ أي بهي بهيج كَذلِكَ أي الأمر كذلك ، أو وأخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ أي إن كان المراد بأورثناها أورثنا بعضها كالكنوز التي استعارها منهم بنو إسرائيل ليلة الخروج فذلك التوريث كان في ليلة الخروج ، وإن كان ما حدث بعد ذلك في زمن بعض ملوك بني إسرائيل كسليمان ، إذ امتد نفوذ بني إسرائيل حتى غطى مصر ، فذلك التوريث فيما بعد ، والآية تحتمل هذا وهذا فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ أي فلحقوهم داخلين في وقت شروق الشمس وهو طلوعها . وهذا يفيد أن بني إسرائيل نفذوا الأمر بالإسراء ليلا ، وأن فرعون وقومه أتبعوهم ، وكانت لحظة الإدراك وقت طلوع الشمس فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي تقابلا ، بحيث يرى كل فريق الآخر . والمراد بالجمع بنو إسرائيل