سعيد حوي
3913
الأساس في التفسير
فبعد أن فر فرعون من الجواب على طلب موسى ، وبعد أن من عليه وأنبه على قتله القبطي قالَ موسى فَعَلْتُها إِذاً أي قتلت الرجل إذ ذاك وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي من الجاهلين بأن الفعلة تبلغ القتل ، أو من الناسين ، أو من الغافلين ، أو قبل أن يكرمني الله بهداه ووحيه فأكون نبيا فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ إلى مدين لَمَّا خِفْتُكُمْ أن تقتلوني فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي نبوة وعلما ، فزال عني الجهل والضلالة وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ أي من جملة رسله ، وكأنه قال : لقد تغير الحال الأول وجاء أمر آخر ، فقد أرسلني الله إليك فإن أطعته سلمت ، وإن خالفته عطبت . كلمة في السياق : إذا تأملنا قوله تعالى على لسان موسى فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ فإننا نجد فيه نكهة شبيهة بقوله تعالى في سورة البقرة : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وإنك لتلاحظ بشكل عام أن نكهة سورة الشعراء تشبه نكهة آية المحور ، وذلك عدا عن كون معانيها تدور في فلك آية المحور . وهذا مظهر عظيم من أسرار هذا القرآن ، فإنك لا تجد سورة فصلت آية من سورة البقرة إلا رأيت تشابها بين نكهة الآية والسورة . فإن تجد ذلك وأن تجد سورة البقرة ذات نكهة خاصة بها ، وروح خاصة بها . فذلك وحده شئ عجيب . وذلك دليل على أن الله منزل هذا القرآن . ولنعد إلى التفسير لنرى تتمة جواب موسى لفرعون : . . . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي أن جعلت بني إسرائيل عبيدا أذلاء ، رد على امتنانه عليه بالتربية فأبطله من أصله ، وأبى أن تسمى هذه نعمة ، لأن سببها هو تعبيد بني إسرائيل ؛ لأن تعبيدهم وذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ولو تركهم لرباه أبواه ، فكأن فرعون امتن على موسى بتعبيد قومه ، وإخراجه من حجر أبويه فكيف تسمى هذه نعمة ؟ قال ابن كثير في تفسير الآية : أي أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل فجعلتهم عبيدا وخدما ، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك ، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم أي ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم . وبهذا ختم موسى الرد على فرعون ، وكان ردا في غاية القوة وفيه درس للمشتغلين بقضايا تحرير أقوامهم من ظالميهم وجلاديهم ، ثم إن فرعون فر ثانية من الجواب ،