سعيد حوي
3894
الأساس في التفسير
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ . . . وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا . . . تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً وكل من هذه الآيات في محلها فيها معجزة وإعجاز وقد رأينا ذلك . . . . إنه بعد التكليفات الكثيرة في سورة النور تأتي سورة الفرقان لتعمق الإيمان ، وترقي المسلم ، وتثبته على الاستقامة ، وتفرق بين ما هو حق وما هو باطل . وتحدد معالم الباطل الرئيسية وتحدد معالم الحق الرئيسية ، وتؤكد على التمسك بالأخلاق الأساسية ، وتربي الإيمان العميق بالنذير والقرآن والتوحيد ، وتعرف على الله منزل القرآن ومرسل النذير . إن بدء السورة بقوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ثم مجيء قوله تعالى في أواخر السورة : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً إن في ذلك تعريفا لنا على الله ، إلى أن الله يعرف بالقرآن ، ويعرف بالخلق ، وإن في قوله تعالى : الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ما يدل على أن معرفة الله حق المعرفة هدف من أهداف السورة الكبري ؛ لارتباط كل شئ بهذا الأصل ، فما وقع البشر بخطإ إلا كأثر عن معرفة قاصرة ناقصة لله تعالى . . . . وكما عمقت السورة بشكل غير مباشر معرفة الله ، فإنها عمقت معنى العبودية لله ، وهو موضوع قد حدث خلل كبير بسببه في التفكير البشري ، إذ نقطة البداية في الهداية والضلال : هل الإنسان حر غير مسؤول ، أو عبد لله مسؤول أمامه ؟ لقد نصبت كتابات كتاب في العالم في عصرنا على تعميق حرية الإنسان ، وعدم مسئوليته أمام الله ، وكانت آخر قفزة لهذه الفكرة هي الفلسفة الوجودية ، التي أعطت هذه الفكرة كل أبعادها الفلسفية ، وزخرفتها الكاذبة ، وهي الفلسفة التي توافق الأهواء البشرية ؛ إذ تطلق للإنسان حريته الشهوانية ، فلا عبادة ، ولا التزام ، ولا ضبط للشهوات ، إطلاقا لها مع الرفض والتمرد ، وهي فكرة غير جديدة في تاريخ البشرية ، بل تعبير مستمر في