سعيد حوي

3740

الأساس في التفسير

لمنح الأرقاء حريتهم ، واستحث الناس بوسائل الترغيب والتلقين ، وأحكام الدين ، وقوانين البلاد ، على أن يمنوا على أرقائهم بالعتق ابتغاء لنجاتهم الأخروية ، أو تكفيرا لذنوبهم حسب الأحكام الدينية ، أو في مقابل مقدار معلوم من المال يأخذونه منهم . فهذه الحركة القوية التي قام بها الإسلام في بلاد العرب أعتق النبي صلى الله عليه وسلم بموجبها 63 رقبة ، وأعتقت إحدى نسائه وهي عائشة رضي الله عنها 67 رقبة ، وأعتق عمه العباس بن عبد المطلب في حياته 70 رقبة ، وأعتق حكيم بن حزام رضي الله عنه مائة رقبة ، وأعتق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ألف رقبة ، وأعتق ذو الكلاع الحميري رضي الله عنه ثمانية آلاف رقبة ، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف رقبة . ونجد مثل هذه النظائر كثيرة في حياة غير هؤلاء من الصحابة من أبرزهم ذكرا أبو بكر الصديق ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ، فكأن الناس في ذلك الزمان كان بهم ولوع شديد بفعل الخيرات ، ونيل رضا ربهم ، فكانوا لأجل ذلك يعتقون أرقاءهم ، ويشترون أرقاء غيرهم ويعتقونهم ، حتى نال أرقاء الجاهلية كلهم حريتهم قبل انقضاء عهد الخلفاء الراشدين . أما قضية الرق بالنسبة للمستقبل ، فعالجها الإسلام بأن حرم تحريما باتا أن يؤسر حر ويسترق فيباع ويشترى . فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله تعالى : ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته : رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره . . » رواه البخاري وغيره . غير أن الإسلام قد أذن - نعم ، أذن فقط ولم يأمر - باستعباد أسارى الحرب في ما إن كانت حكومتهم لا ترضى باستردادهم من الدولة الإسلامية بمن بيدها من أساراها ، ولا هم يفدون أنفسهم بأنفسهم . ولكن مع ذلك فقد ترك الإسلام مجالا واسعا في وجوههم لأن يشتروا حريتهم بالمكاتبة ، كما أبقى في حقهم جميع التعاليم والأحكام المتعلقة بتحريض الناس على منح الحرية لأرقائهم القدماء ، أي تحريرهم ابتغاء لمرضاة الله أو تكفيرا للذنوب ، أو وصية الرجل عند وفاته بعتق رقيقه بعده - وهو ما يعبر عنه بالتدبير في المصطلح الإسلامي - أو نيل الأمة حريتها مع وفاة سيدها ، سواء أكان أوصى بعتقها أو لم يوص ، إن كان استمتع منها فولدت له ولدا . فهذا هو الحل الموفق الذي عالج به الإسلام قضية الرق . فالجهال لا يدركون حقيقة هذه القضية في الإسلام فيوردون عليها أنواعا من الاعتراضات ، وبالجانب الآخر أن محترفي الاعتذار لا يعتذرون عن قضية الرق فحسب ، بل وينكرون أصلا إباحة الإسلام للرق في أي صورة من صورها ) .