سعيد حوي
3362
الأساس في التفسير
عزّ وجل لا يترك شيئا بلا بيان ، ولا يأمر أمرا إلا ويعلم الإنسان كل ما يلزم لتحقيقه وتنفيذه ، ثم طوى السياق ما بين الأمر وما بين تنفيذه وحدثنا مباشرة عما كان جواب فرعون لهما والتقدير : فأتياه وأديا الرسالة وقالا له ما أمرا به فكان الجواب : قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى خاطب موسى لأنه الأصل في النبوة وهارون تابعه ، أو لأنه يعرفه من قبل قالَ موسى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ، ثُمَّ هَدى أي أعطى كل شئ صورته وشكله وجبلته التي تطابق الحكمة التي من أجلها خلق ، ثم هداه ليسير في طريقه المحدد بما يحقق الحكمة في هذا الكون ، وقد كانت هذه الآية مضمون ظاهرة كاملة كتبناها في كتابنا ( الله جل جلاله ) هي ظاهرة ( الهداية ) استدللنا بوجود الهداية في المخلوقات الحسية والمعنوية الصغيرة والكبيرة الحية وغير الحية على وجود ذات هادية أعطت كل شئ خلقه ، ثم هدته ، دلل بوجود ظاهرة الهداية في الكون على خالق الكون ، فما أعظم هذا القرآن ، وما أعظم ما ألهم الله موسى من حجة . قال صاحب الظلال عند هذه الآية : ( قال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى . . ربنا الذي وهب الوجود لكل موجود في الصورة التي أوجده بها وفطره عليها . ثم هدى كل شئ إلى وظيفته التي خلقه لها ، وأمده بما يناسب هذه الوظيفة ويعينه عليها . و ( ثم ) هنا ليست للتراخي الزمني . فكل شئ مخلوق ومعه الاهتداء الطبيعي الفطري للوظيفة التي خلق لها ، وليس هناك افتراق زمني بين خلق المخلوق وخلق وظيفته ، وإنما هو التراخي في الرتبة بين خلق الشئ واهتدائه إلى وظيفته فهداية كل شئ إلى وظيفته مرتبة أعلى من خلقه غفلا وهذا الوصف الذي يحكيه القرآن الكريم عن موسى - عليه والسلام - يلخص أكمل آثار الألوهية الخالقة المدبرة لهذا الوجود : هبة الوجود لكل موجود ، وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها . وهبة هدايته للوظيفة التي خلق لها . . وحين يجول الإنسان ببصره وبصيرته - في حدود ما يطيق - في جنبات هذا الوجود الكبير تتجلى له آثار تلك القدرة المبدعة المدبرة في كل كائن صغير أو كبير . من الذرة المفردة إلى أضخم الأجسام ، ومن الخلية الواحدة إلى أرقى أشكال الحياة في الإنسان . هذا الوجود الكبير المؤلف مما لا يحصى من الذرات والخلايا ، والخلائق والأحياء ، وكل ذرة فيه تنبض ، وكل خلية فيه تحيا ، وكل حي فيه يتحرك ، وكل كائن فيه يتفاعل أو يتعامل مع الكائنات الأخرى . . وكلها تعمل منفردة ومجتمعة داخل إطار