سعيد حوي
3655
الأساس في التفسير
التفسير : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ أي متنعميهم بِالْعَذابِ في الدنيا إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ أي يصرخون استغاثة إذ الجؤار : هو الصراخ باستغاثة فيقال لهم : لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ فإن الجؤار غير نافع لكم إِنَّكُمْ مِنَّا أي : من جهتنا لا تُنْصَرُونَ لا يلحقكم نصر أو معونة ، قال ابن كثير : أي : لا يجيركم أحد مما حل بكم ، سواء جأرتم أو سكتم ، لا محيد ولا مناص ولا وزر ، لزم الأمر ، ووجب العذاب ، ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال : قَدْ كانَتْ آياتِي أي : القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ أي : ترجعون القهقرى ، النكوص : هو أن يرجع الإنسان القهقرى ، وهي أبشع مشية لأنه لا يرى ما وراءه ، والمعنى : إذا دعيتم أبيتم ، وإذا طلبتم امتنعتم مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي متكبرين بالبيت أو بالحرم عن قبول الحق ، كأنكم أهل الحرم أكبر من أن تكلفوا ، أو مستكبرين بالقرآن ، ومعنى استكبارهم به : تكذيبهم به استكبارا سامِراً تَهْجُرُونَ الهجر : الهذيان من القول ، والفحش فيه ، والسمر معروف ، والمعنى : تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه ، وكانوا يجتمعون حول البيت يسمرون ، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن ، وتسميته شعرا وسحرا ، وقال النسفي : والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي أفلم يتدبروا القرآن ليعلموا أنه الحق المبين ، فيصدقوا به وبمن جاء به أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أي بل أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ، فلذلك أنكروه واستبعدوه أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ محمدا بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة النسب وحسن الأخلاق ؟ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ بغيا وحسدا ، فقد عرفوه بصفاته وأنكروه أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون وليس كذلك لأنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلا ، وأثقبهم ذهنا بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ الأبلج والصراط المستقيم ، وبما خالف شهواتهم وأهواءهم ، وهو التوحيد والإسلام ، ولم يجدوا له مردا ، ولا مدفعا ، فلذلك نسبوه إلى الجنون وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ الأكثرون منهم يعرفون الحق ولا يؤمنون كراهة له ، وبعضهم - وهم الأقل - لم يكونوا كارهين للحق - بل كانوا تاركين للإيمان به أنفة واستنكافا من توبيخ أقوامهم ، وأن يقولوا صبئوا وتركوا دين آبائهم ، كأبي طالب وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أي الله عزّ وجل أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ قال ابن كثير : والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى ، وشرع الأمور على وفق ذلك ، لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ، أي لفساد أهوائهم