سعيد حوي
3445
الأساس في التفسير
ويسمي العلماء هذا الدليل على الوحدانية ببرهان التمانع ، وقد شغل هذا البحث عشرات الصفحات من كتب المصنفين في علم الكلام ، وأنت تعجب عندما تقرأ هذه المباحث الطويلة ، كيف أن هذا التعبير القصير يدخل إلى القلب ، وإلى العقل ، بما لا مزيد عليه ، ثم إنه يعجز البشر عن أن يستوعبوا حدود آفاقه ، وبمناسبة هذا النص ذكر الألوسي كلاما كثيرا للعلماء فيما سمي - باصطلاح العلماء - ببرهان التمانع ، ونحن ننقل لك هاهنا عنه بعض ما نقله عن الدواني : قال الدواني : ( إن للتمانع عندهم معنيين : أحدهما إرادة أحد القادرين وجود المقدور ، والآخر عدمه ، وهو المراد بالتمانع في البرهان المشهور ببرهان التمانع ، وثانيهما إرادة كل منهما إيجاده بالاستقلال من غير مدخلية قدرة الآخر فيه ، وهو التمانع الذي اعتبروه في امتناع مقدور بين قادرين ، وقولهم لو تعدد الإله لم يوجد شئ من الممكنات ؛ لاستلزامه أحد المحالين ، إما وقوع مقدور بين قادرين ، وإما الترجيح بلا مرجح ، وحاصل البرهان عليه : أنه لو وجد إلهان قادران على الكمال ، لأمكن بينهما تمانع ، واللازم باطل ؛ إذ لو تمانعا وأراد كل منهما الإيجاد بالاستقلال يلزم : إما أن لا يقع مصنوع أصلا ، أو يقع بقدرة كل منهما ، أو بأحدهما . والكل باطل ، ووقوعه بمجموع القدرتين مع هذه الإرادة يوجب عجزهما ؛ لتخلف مراد كل منها عن إرادته ، فلا يكونان إلهين قادرين على الكمال ، وقد فرضا كذلك ؛ ومن هنا ظهر أنه على تقدير التعدد لو وجد مصنوع لزم إمكان أحد المحالين ، إما إمكان التوارد ، وإما إمكان الرجحان من غير مرجح ، والكل محال ؛ وبهذا الاعتبار - مع حمل الفساد على الكون - قيل بقطعية الملازمة في الآية فهي دليل إقناعي من وجه ، ودليل قطعي من وجه آخر والأول بالنسبة إلى العوام والثاني بالنسبة إلى الخواص . 3 - عرفنا الله عزّ وجل على ذاته تعريفا كاملا بالقدر الذي يحتاجه الإنسان ، وتقوم به الحجة على الإنسان في التدليل على وجود الله ، وعلى اتصافه بالصفات العليا ، والأسماء الحسنى ، وبالقدر الذي تقوم به الحجة على حكمة الله في أفعاله وأحكامه ، وبالقدر الذي يحتاجه المكلف ، وتقوم به الحجة على التكليف ، وعلى الجزاء والعقاب ، أما ما فوق ذلك فقد أخبرنا الله عزّ وجل عن ذاته بقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً إن كثيرين من الناس يوغلون في بعض المباحث إلى الحد الزائد عما تقوم به الحجة ، وهاهنا يقعون في الخطأ لأن هذا مقامه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ فمثلا : في الدعوة إلى الله علينا أن نبرهن على أن الله موجود ، وعلى أنه أرسل رسولا ، وعلى أنه