سعيد حوي

1884

الأساس في التفسير

وبعد النداء الأول الذي جاء تعقيبا على قصة آدم عليه الصلاة والسلام يأتي النداء الثاني : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أي لا يخدعنكم ولا يضلنكم بألا تدخلوا الجنة ، كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها ، والمعنى : يا بني آدم لا تتبعوا الشيطان فيفتنكم . يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما أي : أخرجهما نازعا عنهما لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما أي عوراتهم إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ أي إنه يراكم هو وذريته ، أو هو وجنوده من حيث لا ترونهم ، هذا تعليل للنهي وتحذير من فتنته ، بأنه بمنزلة العدو المداجي ، يكيدكم من حيث لا تشعرون . قال ذو النون : إن كان هو يراك من حيث لا تراه ؛ فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه ، وهو الله الكريم الستار ، الرحيم الغفار إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أي نصراء وموجهين ، ومربين ومتسلطين على الكافرين ، وقد نجح الشيطان - عليه اللعنة - بأن جعل أكثر أهل الأرض يخلعون اللباسين : اللباس الحسي ، والمعنوي ؛ حتى أصبح الظهور بالعري الكامل غير مستنكر ، ولا مستفظع ، ولا مستغرب ، في كثير من أنحاء العالم ، وتعليقا على هذه الآية يقول صاحب الظلال : ( إنه النداء الثاني لبني آدم ، في وقفة التعقيب على قصة أبويهم ، وما جرى لهما مع الشيطان ؛ وعلى مشهد العري الذي أوقفهما فيه عدوهما بسبب نسيانهما أمر ربهما والاستماع إلى وسوسة عدوهما . وهذا النداء يصبح مفهوما بما قدمناه من الحديث عن تقاليد الجاهلية العربية في حكاية العري عند الطواف بالبيت . وزعمهم أن ما وجدوا عليه آباءهم هو من أمر الله وشرعه لقد كان النداء الأول تذكيرا لبني آدم بذلك المشهد الذي عاناه أبواهم ، وبنعمة الله في إنزال اللباس الذي يستر العورة ، والرياش الذي يتجمل به . . أما هذا النداء الثاني فهو التحذير لبني آدم عامة ، وللمشركين ، فيما يتخذونه لأنفسهم من مناهج وشرائع وتقاليد ؛ فيسلمهم إلى الفتنة - كما فعل مع أبويهم من قبل ، إذ أخرجهما من الجنة ، ونزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما - فالعري والتكشف الذي يزاولونه - والذي هو طابع كل جاهلية قديما وحديثا - هو عمل من أعمال الفتنة الشيطانية ، وتنفيذ لخطة عدوهم العنيدة في إغواء آدم وبنيه ؛ وهو طرف من المعركة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه . فلا يدع بنو آدم لعدوهم أن يفتنهم ؛ وأن ينتصر في هذه المعركة ، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف )