سعيد حوي
2293
الأساس في التفسير
ولذلك لم يعلموا ولم يتحققوا أنه من حارب الله ورسوله فإن له عذاب جهنم خالدا فيها ، مهانا معذبا ، وهذا هو الذل العظيم والشقاء الكبير ، وبعد أن بين الله عزّ وجل في بداية المقطع أن المحك الذي يظهر المنافق من المؤمن هو الموقف من النفير العام ، وأن الذين يستأذنون ولا عذر لهم هم المنافقون . وبعد أن ذكر لنا ثلاثة نماذج من نماذجهم بين الله عزّ وجل كيف أن المنافق يبقى دائما خائفا أن يفتضح أمره بأن ينزل الله سورة تتحدث عما في قلبه ، كما بين أن هؤلاء المنافقين من طبيعتهم الاستهزاء ، وقد هددهم الله عزّ وجل بأن الله سينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ما يفضحهم ، ويبين أمرهم ، وقد كان ذلك بهذه السورة ، ولهذا قال قتادة : كانت تسمى هذه السورة الفاضحة ، فاضحة المنافقين . وإذن وفي هذا السياق بين لنا الله عزّ وجل طبيعة من طبائع المنافقين وهي استهزاؤهم بالإسلام وأهله ، واستهزاؤهم بالله وآياته ، ولكنهم من جبنهم إذا ووجهوا بأقوالهم تظاهروا بأنهم قالوا ما قالوه من باب المداعبات والملاطفات والتنكيتات ، وقد رد الله عزّ وجل عليهم أن تكون آيات الله محل استهزاء في مزاح أو جد ، وجعل ذلك كفرا وفتح باب التوبة لمن يتوب وهدد بالعذاب لمن أصر . وهكذا تكشفت لنا طبيعة أخرى من طبائع المنافقين ، وظهر لنا نموذج من نماذجهم ثم ختم الله هذا المقطع بأن عرف لنا المنافقين والمؤمنين الصادقين . أما المنافقون فقد وصفهم بأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، وأنهم بخلاء عن الإنفاق في سبيل الله ، وأنهم ينسون ذكر الله ، وأنهم فاسقون خارجون عن طريق الحق ، داخلون في طريق الضلالة ، ثم ذكر الله ما أعده لهم من العذاب المقيم الخالد في نار جهنم . ثم ذكر الله عزّ وجل أن ما سيصيبهم قد أصاب أمثالهم من السابقين ، وقد كانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فأحبط الله أعمالهم وجعل عاقبتهم النار . وهؤلاء يسيرون على طريق أولئك في التمتع في الدنيا ، والخوض في الكذب والباطل ، فالطريق واحدة والنهاية واحدة : النار وبطلان العمل ، ثم وعظ الله هؤلاء المنافقين بأن ذكرهم بما أصاب الأمم السابقة عدلا منه ، فليحذروا أن يصيبهم ما أصابهم . ثم عرف الله المؤمنين بأنهم متناصرون متعاضدون فيما بينهم ، وأنهم أمرة بالمعروف ، نهاة عن المنكر ، مقيمون للصلاة ، مؤتون للزكاة ، طائعون لله والرسول فيما أمر ونهى ، هؤلاء هم المؤمنون الصادقون ، وقد وعدهم الله أن يرحمهم بما اتصفوا