سعيد حوي
2148
الأساس في التفسير
وللرسول في كل شئ ، وصف الله حالهم الأول - حال مقامهم بمكة - قليلين مستخفين مضطهدين ، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله ، من مشرك ومجوسي ورومي ، وكلهم أعداء لهم لقلتهم وعدم قوتهم ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة ، فآواهم إليها ، وقيض لهم أهلها أووا ونصروا يوم بدر وغيره ، وواسوا بأموالهم ، وبذلوا مهجهم في طاعة الله ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم . قال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله في قوله تعالى : واذكروا إذا أنتم قليل مستضعفون في الأرض قال : ( كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا ، وأشقاه عيشا ، وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودا ، وأبينه ضلالا ، من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات منهم ردي في النار . يؤكلون ولا يأكلون . والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كان أشر منزلا منهم ، حتى جاء الله بالإسلام ، فمكن به في البلاد . ووسع به في الرزق . وجعل به ملوكا على رقاب الناس ، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر . وأهل الشكر في مزيد من الله » يفهم من هذا أن قتادة اعتبر هذا الخطاب خطابا عاما للعرب ، وهو اتجاه طيب إذا أريد به العرب المؤمنون يوم لم يكن غيرهم يحمل هذا الإسلام ، على أن الخطاب فيما يبدو لأهل الإيمان بعد بدر ، وهو خطاب يشمل كل حالة مشابهة إلى قيام الساعة . فوائد : 1 - الجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيهما حياة الإسلام وحياة المسلمين . وقد جاء هذا التوجيه حاضا على الجهاد ، مخوفا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مذكرا بحال المؤمنين قبل القتال ، وحالهم بعده ، والإشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً يشير إلى أن مما يكمل الأمر بالقتال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي كتابنا ( جند الله ثقافة وأخلاقا ) بيان هذا وتفصيله ، وفي هذا التوجيه - الذي هو التوجيه الثالث في هذا المقطع - رأينا كيف أن على المسلمين أن يسارعوا إذا دعوا للقتال من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إذا دعوا من قبل الأئمة من بعده ، أو الأمراء ، وبهذا نكون قد أدركنا محل هذا التوجيه ضمن هذا المقطع بما يتفق مع السياق ، ولكنا كنا ذكرنا أن وجوب الاستجابة لله والرسول صلى الله عليه وسلم ليس في هذا الشأن فقط . بل هو في كل شئ ، وإن كنا فهمنا من السياق خصوصية هذا النداء في شأن القتال ، ولذلك نلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد استشهد بهذه الآية في مقام آخر كدليل على