سعيد حوي
2110
الأساس في التفسير
لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقى فيها المسلمون أعداءهم من المشركين ، فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة . . ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية . . لقد كانوا إنما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم فأراد الله للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة . . أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة ومكروا مكرهم لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ بعد ما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى . لقد أراد الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل ؛ وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي . ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني . . وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم . وتدبير رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر . كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر وعوامل الهزيمة ، وتتلقاها مباشرة من يدربها ، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها . وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة ؛ وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة . كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب والغنائم والأسرى ، والمعاهدات والمواثيق ، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة كلها مصنوعة في أسلوب التوجيه المربي ، الذي ينشئ التصور الاعتقادي ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني . . وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها . ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة ، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها . . مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها ؛ كأن قارئ القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا . واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول . صلى الله عليه وسلم . . وحياة أصحابه في مكة ، وهم قلة مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس . ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر ، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله ، وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة . وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبعدها . وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ، لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه »