سعيد حوي
1989
الأساس في التفسير
لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة الله بعباده أن تبرزها لأعينهم . ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقا طبيعيا لهم وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم . فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا : لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ . . وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله ، فإنها لا ترى يده - سبحانه - في تصريف هذا الوجود ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة لا صلة بينها ولا قاعدة ترابط ، وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة لا تلتقي عند قاعدة ولا تجتمع وفق نظام - وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية « العلمية » عن معاكسة « الطبيعة » لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات - وكما يقول الذين يمضون مع هذه « العلمية » المدعاة في تعليل مثل هذه الأحداث . . وهم ينكرون قدر الله . . وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب الله وقدر الله أنه « مسلم » وهو ينكر أصول الإيمان بالله ! . وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث . . الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم ومن تحت رأسهم ، وأصل التطير في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن الله وقدره يزاولونه . . فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا جاء إلى عش طائر فهيجه عنه فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده . وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه ! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي وأحل محله التفكير « العلمي » - العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن الله الثابتة في الوجود وإلى قدر الله الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها وأقام الأمور على أسس « علمية » يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده وتوضع في موضعها الصحيح ، في إطار المشيئة الإلهية الطليقة وقدره النافذ المحيط : أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . . إن ما يقع لهم مصدره كله واحد . . إنه من أمر الله . . ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء وتصيبهم السيئة للابتلاء : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ويصيبهم النكال للجزاء . . ولكن أكثرهم لا يعلمون . . كالذين ينكرون غيب الله وقدره في هذه الأيام باسم « العقلية العلمية » وكالذين ينسبون إلى الطبيعة