سعيد حوي

1956

الأساس في التفسير

عهد الإيمان وترتد إلى الجاهلية . وأيا كان العهد فقد تبين أن أهل هذه القرى لا عهد لأكثرهم يستمسكون به ، ويثبتون عليه . وإنما هو الهوى المتقلب ، والطبيعة التي لا تصبر على تكاليف العهد ولا تستقيم . وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ منحرفين عن دين الله وعهده القديم . . وهذه ثمرة التقلب . . ونقض العهد ، واتباع الهوى . . . ومن لم يمسك نفسه على عهده مع الله ، مستقيما على طريقته ، مسترشدا بهداه ، فلا بد أن تتفرق به السبل ، ولا بد أن ينحرف ، ولا بد أن يفسق . . وكذلك كان أهل تلك القرى . وكذلك انتهى بهم المطاف . » . وتعليقا على هذا التعقيب الذي جاء بعد قصص أقوام عذبوا والذي جاء خاتمة للمقطع الأول من القسم الثاني في السورة ، والذي يأتي بين يدي قصة موسى وفرعون ، وقصة موسى مع قومه تعليقا على هذا التعقيب يقول صاحب الظلال : « هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب . . وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ، ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل . . أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ، لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله وتعرف ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة . فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء ، وفتح عليهم الأبواب ، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون . . . كل ذلك للابتلاء . . حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص ، وإلى الغفلة وقلة المبالاة ، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافا بلا قصد ولا غاية ، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء ، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير : وَقالُوا : قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أخذهم الله بغتة ، وهم سادرون في هذه الغفلة . لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء . ولم يتدبروا حكمته في هذه الغفلة في تقلب الأمور بالعباد ، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين ، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله . . ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال ، ولحلت عليهم البركات ، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض ، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة ، ولا يعقبه النكال والبوار .