سعيد حوي

1356

الأساس في التفسير

هارون وهذا من البث والشكوى إلى اللّه التي بمثلها تستجلب الرّحمة وتستنزل النصرة . فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . أي : فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما وعدتنا وتحكم عليهم بما هم أهله ، وهو في معنى الدعاء عليهم ، أو فباعد بيننا وبينهم ، وخلّصنا من صحبتهم . قالَ فَإِنَّها . أي الأرض المقدسة . مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ . أي : لا يدخلونها وهو تحريم منع لا تحريم تعبّد ، كتبها لهم بشرط الجهاد فلما أبوا منعوا منها أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ . أي : يسيرون فيها متحيرين . . فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . أي فلا تحزن عليهم لأنهم فاسقون . فوائد : 1 - [ أهمية الجهاد في سبيل اللّه ] من ذكر الفسوق في نهاية هذه الفقرة مرتين نعرف مفتاح السّياق ؛ فقد رأينا أن سورة المائدة كلها تفصّل من سورة البقرة الآيتين اللتين فيهما . وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ . . . ومن هذه المجموعة نفهم أن النّعمة ينبغي أن يقابلها جهاد ، وأنّ ترك الجهاد حيث فرض فسوق ، وأنه مع الفسوق لا اهتداء بكتاب اللّه . فالفقرة تبرز أهميّة الجهاد في قضيّة الإيمان ، وأما محل هذه الفقرة في سياقها القريب ، فإنها مرتبطة بنقض الميثاق ، إذ من الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل نصرة الرسل ، وقد تخلى بنو إسرائيل عن نصرة موسى عليه السلام فاستحقوا لقب الفسوق ، واستحقوا العقوبة الدنيوية . 2 - [ قصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم ] قال ابن كثير تعليقا على هذه القصّة المذكورة في هذه المجموعة : وهذه القصّة تضمّنت تقريع اليهود ، وبيان فضائحهم للّه ولرسوله ، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمرهم به من الجهاد ، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ، ومجالدتهم ، ومقاتلتهم ، مع أن بين أظهرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكليمه ، وصفيّه من خلقه في ذلك ، وهو يعدهم بالنّصرة والظّفر بأعدائهم ، هذا مع ما شاهدوا من فعل اللّه بعدوّهم فرعون ، من العذاب ، والنّكال ، والغرق له ، ولجنوده في اليمّ ، وهم ينظرون ؛ لتقرّ به أعينهم وما بالعهد من قدم ، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم . فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام ، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل . هذا وهم في جهلهم يعمهون . وفي غيّهم يترددون . وهم البغضاء إلى اللّه وأعداؤه . ويقولون مع ذلك نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، فقبّح اللّه وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود . وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النّار ذات الوقود ، ويقضى لهم فيها بتأبيد الخلود ، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود .