سعيد حوي
1343
الأساس في التفسير
ما الصلة بين موضوع الميثاق الوارد في أول هذه الفقرة ، وخطاب أهل الكتاب باتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ . والجواب - واللّه أعلم - أنّه لمّا كان من الميثاق الإيمان بالرسل ونصرتهم ، فقد ذكّر اللّه - عزّ وجل - أهل ذلك بأن محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأن عليهم أن يؤمنوا به وينصروه ، ثمّ إن الخطاب بالإيمان قد جاء بعد تبيان عقوبة نقض الميثاق من قبل وكيف أن نقض الميثاق فيه ما فيه . فكيف بعد بعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي قامت به الحجة على الخلق بما لا مزيد عليه ؟ فإن استحقاق العقوبة أبلغ . ومن هذه الفقرة نفهم أنّ الوفاء بالميثاق لا يتمّ إلا بإقام الصّلاة ، وإيتاء الزكاة ، والإيمان بالرسل ، ونصرتهم ، والإنفاق في سبيل اللّه ، فإذا ربطنا بين هذا المقطع وبين محور السورة في سورة البقرة علمنا أنّ الذي ينقض واحدة من هذه المعاني لا يهتدي بكتاب اللّه ، لأن اللّه تعالى قال هناك : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ . . . فإذا أدركنا هذا عرفنا سرا آخر من أسرار الصلة بين خطاب أهل الكتاب والكلام عن الميثاق في أول هذه الفقرة ، إذ بيّن في خطاب أهل الكتاب صفات الذين يستأهلون الاهتداء بكتاب اللّه قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ . . فارجع الآن وتأمل الآيتين اللتين قلنا إنهما محور سورة المائدة وهما قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ لتجد الرّبط الكامل ما بين أجزاء هذه الفقرة أولا ، وبين هذه الفقرة والمقطع قبلها ثانيا ، وما بين ذلك والسياق القرآني العام ثالثا ، على النّسق الوارد في سورة البقرة بهذا الشكل المعجز ، نسأل اللّه أن يلهمنا شكره وأن يدخلنا جنته . وبعد الفقرة الأولى من هذا المقطع ، تأتي الفقرة الثانية التي تعرض علينا موقفا من مواقف بني إسرائيل فما الصلة بينها وبين ما سبقها ؟ . أمّا الصلة بينها وبين الفقرة الأولى فقد رأينا أن الإيمان بالرّسل ونصرتهم جزء من الميثاق ، وهذه الفقرة تبيّن موقفا من مواقف بني إسرائيل مع موسى عليه السلام ، وتقاعسهم عن النّصرة والقتال فيما هو مصلحتهم ، وعقوبتهم على ذلك . وأمّا الصلة بين هذه الفقرة والمقطع السابق ، فقد رأينا أن المقطع السابق ختم بالتذكير بنعمة اللّه ، إذ كفّ أيدي من أراد الأذى بالمسلمين عن المسلمين . وطولب المسلمون على أثر ذلك بالتوكل على اللّه في السّلم والحرب وغير ذلك . وفي هذه الفقرة : يذكّر موسى عليه السلام