سعيد حوي
1778
الأساس في التفسير
ببغي وعدوان ؛ وذلك من كمال غفرانه ورحمته ، هذا في كتاب اللّه الذي أنزله اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمّا في الكتاب الذي أنزله اللّه من قبل فقد ذكر اللّه - عزّ وجل - أنّه حرّم على اليهود كل ذي ظفر من البهائم والطير ، ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل ، والنّعام ، والإوز ، والبطّ ، وغير ذلك مما سيأتي ، كما حرّم عليهم شحوم البقر ، والغنم ، والماعز ، إلا ما كان شحما في ظهر ، أو شحما في حوية ، وسيأتي معناها ، أو شحما مختلطا بعظم فهذا مباح لهم ، وتحريم هذه الأشياء لم يكن لضرر فيها ، وإنما كان عقوبة لهم على بغيهم ومخالفتهم أوامر اللّه ، من أجل ذلك كان التضييق . إذن فذاك الذي حرّم اللّه في القرآن ، وهذا الذي حرّم في التوراة من قبل . فمن ادّعى أنّ اللّه حرّم غير هذا المذكور فأين دليله ؟ وقد أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حالة التكذيب أن يذكر بأنّ رحمة اللّه واسعة ، ولكنّ بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين ، فلا يطمعنّ أحد من هؤلاء المجرمين برحمته ، ولا شكّ أنّ المشركين ليس لهم دليل على أنّ اللّه حرّم شيئا مما حرموا ولذلك فإنهم يفرون إلى المشيئة ، ولذلك فهم يدّعون أن ما هم عليه من الشرك ومن تحريم ما حرموا إنما هو بمشيئة اللّه ، وكونه بمشيئة اللّه فذلك علامة رضاه وتشريعه ، وهذا ذروة التكذيب ، إذ بهذا الزعم يكون كل ما فعله البشر شرعا للّه ، وبالتالي فليس هناك حاجة للرسل ، وفي هذا تكذيب للرسل في كل ما جاءوا به . ولذلك بيّن اللّه تعالى - بعد أن ذكر شبهتهم هذه - أن تكذيبهم هذا ليس جديدا ، بل إنّ من قبلهم كذبوا مثل تكذيبهم حتى جاءهم العذاب . ثمّ أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسألهم : هل عندكم علم بأن ما فعلتموه هو محلّ الرضى من اللّه ؟ فإن كان فأظهروه وبيّنوه وأبرزوه ، وما دام ليس عندهم علم فهم إذن لا يتّبعون إلا الوهم والخيال والاعتقاد الفاسد ، وهم كذبة على اللّه فيما ادّعوه ، وإذ قامت عليهم الحجة فقد أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعلن أن للّه الحجة البالغة ، فلو شاء لهدى الجميع ، ولكن له حكمه ، وله المشيئة المطلقة ، ولا يسأل عما يفعل ، وإذا لم يثبت التحريم ، لا في الوحي الجديد ، ولا في الوحي القديم ، وليس عند هؤلاء علم يدلّ على أن ما حرّموه فيه مرضاة اللّه ، لم يبق إلا أن يطالبوا بإحضار الشهداء الذين يشهدون أنّ اللّه حرّم ما حرّموه ، ولنفرض أنهم قدّموا شهودا فما ذا يكون الموقف ؟ الموقف أن يرفض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شهادتهم لأنهم شهود زور كذبة ، وألا يشهد معهم ، وألا يتّبع أهواء المكذبين لآيات اللّه ، الكافرين بالآخرة ، الذين يجعلون للّه عديلا وشريكا . وبهذا انتهت المجموعة الأولى من هذا المقطع . ومن النقاش الطويل لموضوع تحريم بعض الأنعام ندرك كم لقضية التحريم من