سعيد حوي
1756
الأساس في التفسير
لَمُشْرِكُونَ وهكذا قال مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف رحمهم اللّه . وقوله تعالى وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أي : حيث عدلتم عن أمر اللّه لكم وشرعه إلى قول غيره ، فقدّمتم عليه غيره . فهذا هو الشرك كما قال تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية ( التوبة : 31 ) . وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال : يا رسول اللّه ما عبدوهم . فقال : « بلى ، إنّهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتّبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم » . اه كلام ابن كثير . فإذا كان اتّباع رجال الدين إذا أحلّوا الحرام أو حرّموا الحلال شركا فكيف بطاعة الزعماء والساسة والمجالس التشريعية وغير ذلك في تعطيل شريعة اللّه أو في إلغائها ، أو في سنّ التشريعات المخالفة لها مع التأييد لهم والدّفاع عنهم واعتقاد أنّ ما فعلوه هو الحق . 4 - اتضح من الآيات الأخيرة أن الإيمان باللّه يقتضي إيمانا بشرعه وتسليما له ، وأن عدم الإيمان والتسليم بشرعه ، وطاعة الكافرين في الانحراف عنه ورفضه شرك كبقية أنواع الشرك ، وهذا يؤكد لنا أن سورة الأنعام تفنّد الكفر ، وما يقوم على الكفر ، وتبني الإيمان باللّه وما يقوم على هذا الإيمان . عودة إلى السياق : بعد أن عرفنا أنّه لا إيمان إلا بمشيئة اللّه ، وعرفنا حكمة اللّه وسننه في إضلال من يضل ، ورأينا نموذجا على الهداية والضلال في موضوع الذبائح ، وعرفنا أن هذا القرآن حق وعدل ، بعد أن عرفنا هذا كله ؛ فاستقرّت في القلب قيمة الهداية الربانية ، تأتي الآن آية تبيّن فضل اللّه على من هداه ؛ وبذلك تنتهي المجموعة الأولى من الفقرة : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ . أي : أو من كان كافرا فهديناه لأن الإيمان حياة القلوب وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ . أي مستضيئا به والمراد به اليقين كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ . أي : كمن صفته في الظلمات يخبط فيها لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها . أي : لا يفارقها ولا يتخلّص منها . والآية عامّة في كلّ من هداه اللّه ، وفي كل من أضلّه اللّه ، فبيّن أن مثل المهتدي مثل الميت الذي أحيي وجعل مستضيئا يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان ، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات لا يتخلص منها كَذلِكَ . أي : كما زين للمؤمن إيمانه زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ . أي : بتزيين اللّه ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي : أعمالهم .