سعيد حوي
1711
الأساس في التفسير
كل رسول ، فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة ؛ ثمّ وقع الانحراف عنها والتحريف فيها ، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد . وهذا القول الذي ذكرته الآية يقوله - قديما أو حديثا - من لا يقدر اللّه حق قدره ، ومن لا يعرف كرم اللّه وفضله ، ورحمته وعدله . . إنهم يقولون : إن اللّه لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة ! كما كان العرب يقولون . أو يقولون : إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعنى بالإنسان « الضئيل » في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض بحيث يرسل له الرسل ، وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير ! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث . أو يقولون : إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل . . إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين . كما يقول الماديون الملحدون ! وكله جهل بقدر اللّه - سبحانه - فاللّه الكريم العظيم العادل الرحيم ، العليم الحكيم . . لا يدع هذا الكائن الإنساني وحده ، وهو يعلم سرّه وجهره ، وطاقاته وقواه ، ونقصه وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره ، وأقواله وأعماله ، وأوضاعه ونظامه ، ليرى إن كانت صوابا وصلاحا ، أو كانت خطأ وفسادا . . ويعلم - سبحانه - أن العقل الذي أعطاه له ، يتعرض لضغوط كثيرة من شهواته ونزواته ، ومطامعه ورغباته ، فضلا عن أنّه موكّل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من اللّه ، وليس موكّلا بتصوّر الوجود تصورا مطلقا ، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة . فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من اللّه ، فتنشئ له تصورا سليما للوجود والحياة . . ومن ثم لا يكله إلى هذا العقل وحده ، ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة بربها الحق ، وشوق إليه ، ولياذ به في الشدائد . . فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية ، وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس ، بكل ما يملكون من أجهزه التوجيه والتأثير . . إنما يكل اللّه الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه ، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها ، وليردّ عقولهم إلى صحتها وسلامتها ، وليجلو عنهم غاشية من داخل أنفسهم ومن خارجها . . وهذا هو الذي يليق بكرم اللّه وفضله ، ورحمته وعدله ، وحكمته وعلمه . . فما كان ليخلق البشر ثم يتركهم سدى . . ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولا : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . . فتقدير اللّه قدره يقتضي الاعتقاد