سعيد حوي

1654

الأساس في التفسير

البشري في مجاله ، ولا يفوته إدراك الحقيقة الواقعية ؛ وهي أن هنالك غيبا لا يطلع اللّه عليه أحدا ، إلا من شاء ، بالقدر الذي يشاء . والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها « الفرد » فيتجاوز مرتبة « الحيوان » ، إلى مرتبة « الإنسان » وهي نقلة بعيدة الأثر في تصوّر الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي ، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ؛ وفي إحساسه بالكون ، وما وراء الكون من قدرة وتدبير . كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض . فليس من يعيش في الحيّز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته ؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود ، وأن وراء الكون . . ظاهره وخافيه . . حقيقة أكبر من الكون ، هي التي صدر عنها ، واستمد من وجودها وجوده . حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ، ولا تحيط بها العقول . . . . « لقد كان الإيمان بالغيب هو مفترق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم المادة ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان - كجماعة الماديين في كل زمان - يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى . . إلى عالم المادة ، الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ، ويسمون هذا « تقدمية » . وهو النكسة التي وقى اللّه المؤمنين إياها . فجعل صفتهم المميّزة هي صفة : « الذين يؤمنون بالغيب » . . والحمد للّه على نعمائه ؛ والنكسة للمنتكسين والمرتكسين » . والذين يتحدثون عن « الغيبية » و « العلمية » يتحدثون عن « الحتمية التاريخية » كأن كل المستقبل مستبين ، و « العلم » في هذا الزمان يقول : إن هناك « احتمالات » وليست هنالك « حتميات » ! ولقد كان ماركس من المتنبئين « بالحتميات » ! ولكن أين نبوءات ماركس اليوم ؟ لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في انجلتر ، نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر . . فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفا صناعيا . . في روسيا والصين وما إليها . . ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية !