سعيد حوي

1652

الأساس في التفسير

أردّت . فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثّعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال : إنّ اللّه قد سمع قول قومك لك ، وما ردّوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال : فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ ثمّ قال : يا محمد إنّ اللّه قد سمع قول قومك لك ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه لا يشرك به شيئا » . وهذا لفظ مسلم . فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنى بهم وسأل لهم التأخير لعلّ اللّه يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئا . فما الجمع بين هذا وبين قوله في هذه الآية الكريمة قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فالجواب - واللّه أعلم - أنّ هذه الآية دلت على أنّه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم ، وأمّا الحديث فليس فيه أنّهم سألوه وقوع العذاب بهم ، بل عرض عليه ملك الجبال أنّه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين ، وهما جبلا مكّة اللذان يكتنفانها جنوبا وشمالا ، فلهذا استأنى بهم وسأل الرّفق لهم » وبهذه المناسبة نقول : إنّ ما أنزله اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من وحي سواء كان قرآنا أو سنة يكمل بعضه بعضا ، ولا ينقض بعضه بعضا وكيف لا يكون كذلك وهو من علم اللّه ، وعلم اللّه محيط ، وذلك من أعظم الأدلة على كون هذا الإسلام دين اللّه ، ولكن الجاهلين وحدهم هم الذين يظنون غير ذلك أو يتوهمون . وبعد هذا الحوار الطويل يعود السياق إلى صيغة التقرير في موضوع المعرفة الربانية فيقول : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ . . . ولو أنّك تأمّلت لوجدت أن هناك صلة ظاهرة بين بداية المقطع وهذه الآية وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . . . وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ . . . . وما بين ذلك حوار لمن ينكر ذلك ، وما بين ذلك تقرير لمقتضى ذلك ، وما بين ذلك هداية لما ينبغي أن يترتب على الإيمان بذلك . فما أعظم هذا القرآن إذ يجول بك السياق ثم يردك إلى محور السورة ، وتبقى جولاته كلها في الإطار الذي يعمّق محور السورة ، وبما أنّ خاتمة الجولة الأولى من المقطع الثاني تبدأ بقوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ فلنقدم للآية بنقل عن الظلال حول الفارق بين العقلية المسلمة وغيرها : « إن القرآن - وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشئ التصور