سعيد حوي

1628

الأساس في التفسير

الظلال على الآية الأخيرة بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ . . . بقوله : « بل تدعونه وحده ؛ وتنسون شرككم كله ! . . إن الهول يعرّي فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى اللّه وحده . وتنسى أنها أشركت به أحدا . بل تنسى هذا الشرك ذاته . . إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها ؛ فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها ، بفعل عوامل أخرى . قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها . فإذا هزّها الهول تساقط هذا الركام ، وتطايرت هذه القشرة ، وتكشّفت الحقيقة الأصلية ، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها ، ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به ، ولا حيلة لها فيه . . هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول ، يواجه السياق القرآني به المشركين . . فأما شأن اللّه - سبحانه - فيقرره في ثنايا المواجهة . فهو يكشف ما يدعونه إليه - إن شاء - فمشيئته طليقة ، لا يرد عليها قيد . فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه ؛ وإن شاء لم يستجب ، وفق تقديره وحكمته وعلمه . هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحيانا ، بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف ، نتيجة عوامل شتى ، تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها . . حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته . . فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود اللّه أصلا ؟ نحن نشك شكا عميقا - كما قلنا من قبل - في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه . نحن نشك في أن هناك خلقا أنشأته يد اللّه ، ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماما طابع اليد التي أنشأته ، وفي صميم كينونته هذا الطابع ، مختلطا بتكوينه ، متمثلا في كل خلية وفي كل ذرة . إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع ، ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة ، ومن الكبت والقمع ، ومن إنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة . . إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوروبا قرونا طويلة . . هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية . . فرارا في التيه ، من الغول الكريه . ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي ؛ ودفع النصارى بعيدا عن دينهم ؛ ليسلس لهم قيادهم ، ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم ، وليتيسر لهم استخدامهم - كالحمير - على حد تعبير « التلمود » و « برتوكولات حكماء صهيون » . . وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئا إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوروبي النكد ، لدفع الناس إلى الإلحاد هربا