سعيد حوي

1575

الأساس في التفسير

يصيب أحدا بخير فإنّه القادر على كل شئ . ومجىء الآية الأخيرة في سياق الأمر بالتّبليغ والأمر بالإعلان واضح الحكمة ؛ إذ قد يترتب على البيان أو الإعلان ضرر ، فوضّح أنّ النّفع والضر بيد اللّه وحده ، فليطمئن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن بعده المؤمنون . ومن خلال هذه المعاني ندرك كيف أنّ المقطع عرّفنا على اللّه ، وناقش الكفرة ولفت نظر الكافرين ليعتبروا ، وردّ على اقتراح من مقترحاتهم ، وأمر رسوله أن يبلغهم معاني ، وأن يعلن لهم مواقف ، وطمأنه على النتيجة . فائدة : إنّ الجحود والإنكار واقتراح الآيات علاجه ما ذكر في هذا المقطع ، ومن ثمّ فإنّ على دارس المقطع أن ينتبه إلى ما لفت إليه النظر ، وأن ينتبه إلى الأوامر المصدرة بكلمة ( قل ) فإنّها تمثّل الموقف المداوي والمكافئ لمواقف الكافرين . المعنى الحرفي : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ هذا تعليم بأن من خلق يستحق الحمد ، وإن لم يحمده الجاحدون . وفي كتابنا « اللّه جل جلاله » من سلسلة الأصول الثلاثة تحدثنا عن ظاهرة حدوث الكون ، وعن ظاهرة الحكمة فيه ، وكيف أنّهما يدلّان على اللّه بما لا يقبل الجدل ، فليراجع . وفي قوله تعالى : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إشارة إلى ظاهرة الحدوث وفي قوله : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ إشارة إلى ظاهرة الحكمة ، وأن الواجب للّه الشكر على ما خلق وجعل ، ومعنى جعل هنا : أحدث وأنشأ والمجوس يقولون : بقدم الظلمة والنور . والماديون يقولون : بقدم العالم . وفي النّص ردّ على الجميع وفي كتابنا المذكور رد علمي وعقلي على فكرة قدم المادّة ، وأفرد النّور لإرادة الجنس ؛ ولأنّ ظلمة كل شئ تختلف باختلاف ذلك الشئ فظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منهما صاحبه ، والنّور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات ، وحتى في الظلمة القلبية فظلمة الكفر غير ظلمة النفاق ، وظلمتهما غير ظلمة الفسوق ، ونور الهداية واحد ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي : ومع هذا كله فإن الكافرين يساوون به غيره . تقول : عدلت هذا بهذا إذا ساويته به ، واستعمال ( ثمّ ) في المقام يفيد استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته ، فما أفظع فعلهم ! إنّه بدلا من أن يحمدوه كفروا نعمته وعدلوا به سواه مما لا يقدر على شئ من الخلق .