سعيد حوي
1553
الأساس في التفسير
نعرف أن فيما ذكر في القرآن ما نعرف به حكم كل جزئية في هذه الديانات ، بحيث يعرف الإنسان حكم اللّه فيها ، إنّ كثيرا ممّا قاله النصارى في شأن المسيح عليه السلام ، قاله البوذيون في شأن بوذا ، فمن عرف الحكم في هؤلاء ، عرفه في هؤلاء ، ومن عرف بم أقيمت به الحجة على هؤلاء ، عرف كيف يقيم الحجة على هؤلاء . ولعل التركيز الأكبر الذي نراه على الديانتين اليهودية والنصرانية يعود إلى أنّ ما عند هؤلاء أكثر إيهاما للإنسان ، ومن ثمّ فإنّه يمكن أن يكون أشد إضلالا ، فإذ تقوم الحجة عليهما فإنّها على غيرهما أكثر إلزاما ، وسنرى أمثلة ذلك فيما بعد ممّا يؤكد ما ذكرناه من أن ما ذكر في القرآن كاف في الرّد على ما لم يذكر ، ومن هذا وغيره تتأكد عالمية القرآن ، وهذا وحده كاف للدلالة على أن القرآن ليس وليد بيئة ، بل هو كتاب اللّه عزّ وجل . كلمة أخيرة في سورة المائدة : بدأنا بعرض سورة المائدة على أنّها مقاطع ، وانتهينا على أنهّا أقسام ، كل قسم يضمّ أكثر من مقطع ، وقد رأينا أدلّة ذلك ، ورأينا أنّ سورة المائدة تتألّف من ثلاثة أقسام وخاتمة : القسم الأول : ويتألف من ثلاثة مقاطع ، كان التركيز فيها بشكل مباشر أو ضمني على الوفاء بالعهود ، وعلى وصل ما أمر اللّه به أن يوصل ، وعلى النهي عن الإفساد في الأرض ، وفيها تحدّد طريق الهداية ، وطريق الضلال ثم جاء القسم الثاني : وقد ابتدأ بالنهي عن الحزن على الذين يسارعون في الكفر ، وفيه تعمّقت معرفة طرق الضلال ، وعمّق موضوع الالتزام بالكتاب ، وموضوع وصل ما أمر اللّه به أن يوصل ، وقطع ما أمر اللّه به أن يقطع ، وقد شمل القسم الثاني مقطعين ، ثمّ جاء القسم الثالث : آمرا بالبلاغ ، معتمدا على ما ورد في القسمين الأولين ، وقد جاء القسم الثالث على مقطعين : المقطع الأول في بلاغ أهل الكتاب ، والمقطع الثاني في بلاغ أهل الإيمان ، ثمّ جاءت الخاتمة فنقلتنا مباشرة إلى نتيجة البلاغ من خلال عرض مشهد من مشاهد يوم القيامة إذ يسأل اللّه - عزّ وجل - الرّسل عن موقف أقوامهم من البلاغ ، ويخص عيسى عليه السلام بالحوار ليخدم الحوار موضوع البلاغ في القسم الثالث وما سبقه مما له علاقة في موضوعه ، وبهذا تكون سورة المائدة قد عرّفتنا على الفسوق ، والخسران ، وعلى ما يقابل ذلك ، وعرّفتنا على ما به يستحق أحد الهداية أو الضلال ، وعرّفتنا على المواثيق التي لا ينبغي أن تنقض ، وعلى ما به تنقض وعلى ما أمر اللّه به أن يوصل ، وعلى